قراءات نقدية ( في النتاج الشعري والمسرحي للشاعر )..

 

 

  • ·        ديوان طرديات أبي الحارث – قراءة إيقاعية        د. بشرى البستاني
  • ·        النص المحاصر                                    د. نجمان ياسين
  • ·        سيرة المكان الشعرية                               د. محمد صابر عبيد
  • ·        هذا رهاني                                         حسب الشيخ جعفر
  • ·        ( شموكين ) التاريخ بإهاب معاصر                 علي مزاحم عباس
  • ·        ( وردة السفر ) بين الاكتشاف والتجاوز             ثامر معيوف
  • ·        (آدابا ) مسرحية تعيد الاعتبار للشعر                أمجد محمد سعيد
  • ·        ظاهرة التلاشي                                     علاء الدين رمضان السيد
  • ·        معد الجبوري- الإشراق الصوفي والإرباك الحضاري   د. هلا الحلبي
  • ·        موضوعة الحرب في المسرح العراقي               عواد علي
  • ·        معد الجبوري وديوان ( حُرَق في فضاء الأرق )      د. وليد الصراف
  • ·        الشاعر معد الجبوري .. مسرحية ( آدابا )           شفاء العمري
  • ·        الشاعر العراقي معد الجبوري- استحضار التراث     د. يوسف نوفل
  • ·        الهواة أكثر صدقا                                     نبيل بدران
  • ·        ( حُرَق في فضاء الأرق ) كارثية الرؤيا والمعنى     شاكر مجيد سيفو
  • ·        مسرحية ( السيف والطبل )                          ماجد الأميري
  • ·        ( أوراق الماء ) صفحات التكرار                    د. محمود أبو خضير
  • ·        شعرية المكان.. والمكان الشعري                    حمد محمود الدوخي
  • ·        من ( بنية الإيقاع في شعر معد الجبوري )         قاسم محمود الجريسي

 

                                        ***

 

ديوان طرديات أبي الحارث

قراءة إيقاعية

   

                                               د. بشرى البستاني

        

( الموقف الثقافي )   العدد 24 تشرين الثاني – كانون الأول 1999

 

         ديوان الشاعر العراقي معد الجبوري ( طرديات أبي الحارث الموصلي ) هذا الديوان الزاخر بالخصب والمكابدة، بالرؤية والرؤيا، الهائم بتدفق إيقاعي مدهش، والمتسم بكثافة حيوية تجعل قصيدته قادرة على التشظي من خلال تعدد الإحالة وطلاقة الدلالة في أفق فني، يغري الناقد بالتوقف أمام مشاهده مرة والجري وراء حركته المتأججة منذ عنوانه مرات، فمفردات العنوان جميعا يسودها طابع الحركة الجدلية المتداخلة، والسطوة الزمنية المتسمة بالتوتر والانفراج في آن واحد، فالطرديات قصائد الطرد، والطرد مزاولة الصيد والقنص، والطرد العدو والجري والمسابقة، وهي جميعا دلالات لا تخلو من المغامرة والكد والمكابدة والمتعة ولذة الامتلاك، والطريدة: شقة من الحرير، وفي مفردة الأب توجه نحو السلطة والسطوة والحنو والامتلاك والرعاية، والحارث: الساعي، الزارع، الدارس، الباحث، المنقب، الفاعل الذي يشق تراب الأرض ليملأها بذرا وخصبا، وفي تراب الأرض تكزن الحياة داخلا وخارجا، في الداخل تنبض البذور الحية، وفي الخارج تنبثق الجذوع والأغصان وينشر زهر الثمر عبيره لتزهو الحياة في دورات متجددة، وفي تراب الأرض مكمن السر والستر، ومنزع الحضارة وسكن الإنسان واستقراره ومواطن مجازره واستلاباته، وفي التراب فناء الإنسان كذلك واندثاره، ومفردة المصلي تقضي إلى الاتصال لغة، والعراقة تراثا، والأصالة تاريخا، منها انبثقت أوائل الحضارات القديمة، وعلى أسوارها اندحر العدوان، وما في العنوان من جدل يزخر بالحيوية يزحف إلى قصائد الديوان جميعها ليسمها بالتوهج.

إن قصيدة الطرديات قصيدة يسودها انتظام فني دقيق، لأنه ليس انتظام التحديد والتقييد، بل هو تنسيق المقدرة التي تدرك أن مغامرتها الفنية تجري في أبعاد لا حدود لها، ولكنها بالرغم من ذلك تمتلك حدودها الخاصة والشخصية منذ بداية تشكلها الفني حتى النهاية، من هنا تنتاب الحيرة متأمل الطرديات من أين يبدأ.. من التطور النوعي لشعر معد الجبوري من ( اعترافات المتهم الغائب ) الصادر عام 1971 حتى الآن، من هذا البناء اللغوي الذي تتشكل داخله الصور برموزها الثرة، والذي ينبثق عنه الإيقاع وكل الجماليات التي يسعى هذا الفن إلى تحقيقها، إن اللغة الشعرية هنا لا ترسم بالكلمات فحسب، بل وتنفخ في تلك الكلمات روحا متوهجة هي روح الشعر الدافئة، ترسمها وتنفخ فيها بعفوية الإبداع الواعية، بعيدا عن صناعة القصد المجرد حيث تتسع دائرة الشعرية وتتجلى أدواتها، عن رموز الشاعر الشخصية التي هجرت حدودها المعجمية والدلالية والاصطلاحية إلى كون أوسع ودلالة أشمل من خلال قدرة ذلك الرمز على التحول والتشظي وتنوع الإحالات.

في الطرديات يمتزج العام الداخلي للشاعر بعالمه الخارجي، ذاكرته التاريخية بالذاكرة الشخصية وبوعيه الحضاري العميق بقضية الثورة والإنسان من خلال رفض الظلم والجور والاستلابات التي من شأنها تشويه الإنسان وتلويث نقائه، وفي هذه القصائد يتألق المكان مسيطرا على المشهد مرة، وممتزجا بالزمان مرات، وإذ يجد النقد صعوبة غير هيِّنة بالقدرة على الإمساك بالمكان بالشعر لأنه سرعان ما ينفلت لينحل متسربا داخل عناصر شعرية أخرى، فإن مكان الطرديات كثيرا ما يلتحم بالإنسان ويلوذ بحضارته ويستنهض قواه الكامنة، يتشكل كل ذلك في القصيدة من خلال فاعلية إيقاعية كثيفة، فإيقاع الطرديات له من التلون والتشابك والحركية الإبداعية ما لا يتسع له مبحث موجز، لأنه إيقاع لا ينطلق من الخارج حيث التفعيلات والبحور ليحكم الداخل، بل هو إيقاع ينبثق من الداخل ليؤطر خارطة الخارج بتناسق مدهش، فالإيقاع الخفي أكثر أثرا، وربما أشد تعقيدا من الظاهر لأنه يتشكل داخليا وفي الخفاء، في لا وعي الفنان، وفي أعماق تجربته الفنية، ولذلك فإن المستويات الإيقاعية المستترة غالبا ما تؤدي وظيفة أعمق أثرا من المستويات الإيقاعية الواضحة، وفي النص الشعري تلعب هذه الافتراضات دورا أساسيا في تلوين بنية النص الإيقاعية على المستويين المستتر والواضح، مما يجعل ذلك النسيج اللغوي المتخيل مسرحا خصبا لحركة دائرية دؤوب بين الخفي والمتجلي من البنية الإيقاعية الحية.. لأنها ترتبط في مستوييها بالبنى الكلية المحيطة بها خاصة البنية اللغوية في مجاليها النظمي والإيحائي، فضلا عن أن هذا الإيقاع الصوتي المقتصر على حاسة السمع وإن كان هو المستوى الرئيس البارز في النص الشعري إلا أنه ليس الوحيد دائما، فقدرته على الامتداد العميق في بنية النص تتيح له التشابك مع إيقاعات الحواس الأخرى، بحيث يحقق انتظام النص الشعري بجميع أجزائه في سياق كلي جامع، وهذا الانتظام يتشكل من خلال العلاقات التي تتيحها كل أنواع المجاز والبيان والبديع والتكرار، كما يعني التداخلات الموفقة ما بين الأساليب المتباينة خبرا وإنشاء من جهة، وتنوعات خبرية داخل الخبر وتلونات إنشائية داخل الإنشاء، ولعل ذلك هو الذي دعا النقاد المحدثين إلى إكبار شأن التنوع في إطار وحدة النص عاملا في إغنائه وثراء علاقاته

إن القصيدة الحرة التي ترتكز في إيقاعها على التفعيلة لا تكتفي عند معد الجبوري بما تتيحه لها إمكانات البحر بل هي تنهل باستمرار من طاقات الإيقاع الداخلي الذي يرتبط ارتباطا وثيقا

بالأفكار والمشاعر المبثوثة في النص والمنبعثة من نسيج العلاقات بين دواله، ومن ثم غدا هذا الارتباط ينسجم ومفهوم كلية النص، وقد يفسر ذلك ارتباط مفهوم الإيقاع بمهمته الكلية، بحيث يستدعي واحدهما الآخر ويوجبه، وبحيث يشكلان معا نسق النص الحديث، وهذا نفسه ما قصده إليوت قبل هذا الزمن في مقالة ( موسيقى الشعر) حين تحدث عن موسيقى كلية النص التي هي ( موسيقى خيال بقدر ما هي موسيقى صوت ).

وهكذا تتواشج الأصوات بمدلولاتها من خلال توزيع محكم على أجزاء القصيدة، وهذا التواشج هو الذي يشد أجزاءها بإتقان جمالي لا يتيحه إلا تمكن من اللغة إدراك لأسرارها ولا توفره إلا معرفة بمواعيدها الآسرة، وأقرب مثال على ذلك قصيدة ( الرحى ) التي تشكلت من ثلاثة مقاطع من المتدارك وعلى الشكل التالي:

المقطع الأول: عدد التفعيلات 22 تفعيلة وكالاتي:

    13  فاعلن                سالمة

    7     فعلن                مخبونة

    2  فاعلاتن               مرفلة

    1  فعلاتن               مخبونة مرفلة

المقطع الثاني:  عدد التفعيلات 16 تفعيلة

     6  فاعلن                سالمة

     6  فعلن                 مخبونة

     4  فاعلاتن               مرفلة

المقطع الثالث:   عدد التفعيلات 16 تفعيلة

     5  فاعلن                سالمة

     9  فعلن                 مخبونة

     1  فاعلاتن              مرفلة

     1 فعلاتن                مخبونة مرفلة

من المخطط السابق للتفعيلات يتبين ما يأتي:

1- إن حروف المد التي تستوعب الهدوء وطول النفَس والتراخي بدأت بالتناقص كلما توغل النص بالتعبير عن مشاعر الرفض والغضب الكامن في التجربة، فمن سبع تفعيلات مخبونة من أصل 22 في المقطع الأول إلى 6 تفعيلات مخبونة من أصل 16 في المقطع الثاني إلى 10 تفعيلات مخبونة من أصل 16 حيث يصل الغضب قمته والفض أقصاه في المقطع الثالث:

              كلَّ يومٍ بعينيَّ هاتتين/ أبصرُ روحيَ تطلعُ من جسدي،

              وتطقّ أماميَ/ مثلَ فقاعَهْ

                          ثم أطلعُ ثانيةً/ من رمادي

2- إن مشاعر المواساة التي تحتاج إلى الهدوء والتعبير مرة، والتغني بحب الوطن مرة أخرى، هي التي دفعتْ بالتفعيلات المرفلة فاعلاتن ـ ب ـ ـ أو فعلاتن ب ب ـ ـ إلى نهاية الأسطر الثلاثة في المقطع الأول لما تحويه هذه التفعيلات من مد مضاعف.

3- أما في المقطع الثاني، فقد نهض الترفيل بهجائية عميقة، للحقد وبشاعة العدوان من خلال:

        تعصف ريح البِلى والمجاعهْ / وكؤوس الرضا والقناعهْ / تتهشم بين الأيادي

لكن الترفيل الأخير في المقطع يشكل عودة إلى المؤاساة والتأسي:

         وأقول: اصبري يا بلادي

4- أما المقطع الأخير، فإن غضب الشاعر يفر للخبن فرصة الفعل الحثيث ليأتي في عشر تفعيلات متيحا للكتل الصوتية الثقيلة بالتعبير عن الشدة والعنف:

         يوم/ بعيني هاتين/ أبصر روحي تطلع من جسدي/ وتطق أمامي مثل فقاعه/

         ثم أطلع ثانية/ من رمادي

أما الترفيل فكان تعبيرا عن العذاب مرة واستيعابا لمشاعر التحدي في النهاية

5- ويؤدي التدوير دورا واضحا في القصيدة، فلم يكتف المقطع الأول بالتزام الألف المقصورة رويا بل تعداها إلى التزام الحاء كذلك في ( والضحى، رحى ) والجناس غير التام بين ( فكّيْ.. كفَّيْ ) وتكرار حروف الكاف والسين والتاء واللام والراء فضلا عن حروف الروي في القصيدة، وحضور الأحرف المهموسة بحدود 16 حرفا في المقطع الأول وما تتسم به هذه الأحرف من قدرة على احتواء مشاعر الأسى والشجن والتعبير عنهما بعمق، كما تناوبت على التذكير الحروف المهجورة ومنها التي تمتلك طاقة على التغني إشاعة النغم في النص، وكان لحضور الألف الذي يعد أوضح الحروف وأكثرها قدرة على الجهر لامتلاكها حزما صوتية تفوق أحرف المد الأخرى، أثر قي التركيب الصوتي للمقاطع، أما ظاهرة التوازي فكان لحركتها دور في الربط بين البداية والوسط والنهاية:

1- كل يوم/ بكفيَّ هاتين/ أنتشل القلب من بين فكّْ رحى

2-  كل يوم/ أماميَ تعصف/ ريح البِِلى والمجاعهْ

3- كل يوم/ بعينيّ هاتين/ أبصر روحيّ/ تطلع من جسدي

       وفي ( طردية الغاب ) يتلون الإيقاع الداخلي بتكرار الفعل الماضي المتصل بتاء التأنيث:

        تفنحتْ أبوابي/ وأترعت أكوابي

        ومن حريق الدم/ قامت القرى الخرابُ

        تفتحتْ أسرارها/ تحت يدي/ واعتصمَتْ بحبلي

        تجمَّعتْ كل الوحوش حولي

        وانفلتتْ من جسدي الذئابُ

ليهيمن إيقاعه على ما في القصيدة من وزن وإيقاع خارجي، ولعل اللاوعي الشعري اليقظ، هو الذي جعل من صوت الجيم، أقوى وأشد الحروف المشكّلة لاسم العلم (نجمان) شبه مهيمن على القصيدة المهداة إلى نجمان ياسين في الإيقاعين الداخلي والخارجي، ولعل كل ذلك يؤكد ما يراه برجسون من أن الإيفاع يقوم بدور مركزي في عملية الاتصال الوظيفية، لأنه يساعد على تحطيم الفواصل بين شعورنا وشعور الفنان ويتيح لنا الدخول في عالم شعوري واحد.

     وللمفردة وإيقاعها دور مهم في قصيدة الطرديات، لأنها تتحول من كائنة شبه مستوحدة في اللغة إلى عام زاخر متحول ومحوِّل، وأضرب لذلك أمثلة لا مجال للتفعيل فيها.. لنتأمل: باع واشترى.. وجرى ما جرى، كادت تطق، تشهق، العندليب، يهبط.. إلى آخر ذلك، لنرى ما يمكن أن يحتشد في هذه المفردات من طاقة حدثية اختصرت محنة الشاعر والعراقيين معا، بكل أبعادها

     ولقوافي الطرديات قانونها الخاص كذلك، فهي مهمة لأنها تسهم في بلورة البنية الدلالية وتلعب في الآن نفسه دور الرافد للبنية الإيقاعية إذ ترد في شكل تماثل صوتي، وهذا يعني أنها عديمة الجدوى، بل إنها تصبح نوعا من الزخرف اللفظي لا حاجة للشعر الأصيل به إن هي لم تضطلع ببعدها الدلالي في صلب النص، علما بأن القافية لا يمكنها أن تنهض بهذا الدور المهم، إلا إذا كانت قائمة على التماثل والمخالفة، يتم التماثل على المستوى الصوتي أما المخالفة فإنها تطال الجانب الدلالي ويذلك لا يسقط الكلام في استعادة نفس الصورة الصوتية  الدلالية استعادة كلية بل ترد الاستعارة في شكل ضرب من التنويع المستمر، ولعل قِصَر قصيدة (من القاع) يتيح لنا التطبيق السريع لهذا الكلام من خلال الرسم الدقيق لهندسة التقفية في النص:

                1                2                  3               4

             طائري      في البئر مرميٌّ        وأزهاريَ       تحت العجلَهْ

                5                          6

            وأنا أرقب           أن يهدل في صدري اليمامْ

               7                          8                      9

         صدئتْ روحي         متى أشعل من حوليَ       أقفاص الكلامْ

              10                    11

          وإلى خطوي          أقود الزلزلَهْ

وتأمل نظام التقفية في القصيدة يفضي إلى:

1-   قافية العجلة – رمز الطغيان المستمر تقابلها القافية التي تشملها مفردة الزلزلة رمز الاجتياح الحاسم ورد الفعل المقاوم والمحطم لاستلابية العجلة

2-   2- قافية اليمام – رمز التحرر الطافح بنشيد الانعتاق تقابلها  تقابلها القافية التي تضمنها تركيب ( أقفاص الكلام ) رمز القيد المغلق على الكلمة.. مفتاح الحياة

3-    إن تواشج تفعيلة الرمل النشطة ( فاعلاتن ) ـ ب ـ ـ وامتدادها لتشمل جزءا من مفردتَيْ: صدري – وأقفاص الكلام، في السطرين ( 6 ، 9 )

               ر  اليمام     ـ ب ـ O           ص الكلام   ـ ب ـ O

دليل على حلول اليمام في الصدر حلولا تواشجيا، ومن ثم حتمية الهديل من جهة وعلى انسجان الكلام في الأقفاص انسجانا مقفلا وتواشجيا كذلك، لكن مفردة ( أقفاص ) بما تحمله من انفراجات موضعية على مستوى الشكل تشير إلى إمكانية العبور إل فضاء الثورة فالخلاص، ويصير ترقب هديل الحمام أمرا محتوما.

أما استقلال قافية ( العجلة ) بتفعيلة الضرب: فعلا المخبونة ب ب ـ المحذوفة، فدليل على انفصال أداة الإرهاب، ووقوفها عارية مستوحدة، لذلك فإن عملية الانعتاق تصير ممكنة، والتشوق الكامن في الاستفهام المجازي: ( متى أشعل ) يفتح أبواب الفعل الحاسم، أقود الزلزلة، أما تواشج تفعيلَتَيْ فاعلاتن/  فاعِلا، في السطرين العاشر والحادي عشر:

        ( تي أقود ز  /   زلزلة   ـ ب ـ ـ  /  ـ ب ـ )

فدليل على تلاحم الدلالي بالإيقاعي حيث يرسم النص حركية الخلق الفني وأثر تلك الحركية في قيادة الوعي من خلال احتواء فاعلاتن لمقطع طويل ( سبب خفيف ) من صوتي، وفعل القيادة – أقود، والزاي الأولى من مفردة الزلزلة في حين تأتي القافية في تفعيلة الضرب الحادي عشر سليمة من الخبن ومتوفرة على المد الأول لكنها محذوفة كذلك دليل على شمولية عملية الاجتياح وسيطرة فاعلية التحرر المنتظر وحسمه بالقافية المقيدة الزلزلة، بينما وقع الخبن في ( العجلة ) فجردها من المد الذي يمنح التفعيلة شيئا من الانبساط والتراخي، تأكيدا لشدة الانسحاق الذي توقعه بما تحتها من أزهار

وهكذا نجد أن الوظيفة الأساسية للنظام الصوتي هو تجسيد حركة المستوى الأول المتمثل بتجليات الخيال في اللغة الشعرية، وما تنطوي عليه من حركة النفس ورغبتها في الانتظام والتناغم، وهذا ما يجعل العلاقة بين مستويي البنية علاقة ذات طابع جدلي

إن التجربة الحية هي وحدها القادرة على النهوض بهذا الاندغام الإيقاعي – الدلالي حيث لا يبقى الإيقاع- وحتى الخارجي، بقافيته ورويه- مجرد حلية للتزيين، بل يتحول إلى واحد من هموم القصيدة الداخلية.

النص المحاصر

 دراسة تطبيقية على نص ( خلق وخلق )

للشاعر معد الجبوري

                                

                               د. نجمان ياسين

 

من بحوث مهرجان المربد الشعري الثاني عشر 1996

 

 

       كيف يمكن للمغني أن يصدح بأغاني الفرح والسماء رماد والأرض مقصلة؟ كيف يحكي المغني جمال الغابة والحريق يفترس رحيق الروح وشجر الدم يبرق بالبكاء؟

من أين للمغني القدرة على وصف جمال العصافير الغارقة في الدخان واللهب؟ وهل يمكن لشاعر أن يشعر بعذوبة النهر، والماء دم؟ هل بمقدوره أن يبتهل في حضرة الحب، والقلب زجاج مكسور متناثر في الطرقات الكئيبة؟

كان لابد من إثارة هذه الأسئلة الملتاعة، قبل محاصرة قصيدة الشاعر معد الجبوري- ( خلق وخلق ) ومحاولة الإيغال في عروقها لكشف ما يمكن من أسرارها المضيئة

ابتداءا نحن أمام نص أبدعه شاعر كبير له حضوره في خارطة الشعر العراقي المعاصر الذي يشكل لؤلؤة نفيسة في تاج الشعر العربي الحديث، شاعر مجدد ومغامر لا يستكين للمألوف على مستوى الموقف واللغة، ولا يتهيب من دخول قارة الشعر والسحر بكل غموضها ومخاطرها، مستعينا على ذلك بموهبة متميزة وقلب يضج بالشعر والتحولات الإبداعية، بل نحن أمام نص جديد يتجاوز الإفصاح إلى الإيحاء والإعلان إلى الرمز والإيماء، نص ينبثق من واقع مطوّق بالحرائق، لكنه ينقلب ضد هذا الواقع ويواجهه بحرائق الشعر، وهو نص يشير إلى شاعر محاصر بالانحطاط والترهل والتراخي الروحي، شاعر منهك ومتعب نفسيا وماديا بفعل وتأثير وبطش خرائب الحصار، والنص وإن كان معنيا بتجربة تتناول وضعا داخليا في جسد المجتمع العراقي الجريح والمدمى بسيوف وسهام الحصار المسمومة، فإن هذه التجربة إفصاح عن حصار أشمل في الخارج، وإحالة إلى حصار أعم جاءت به الآلة الجهنمية المروجة والمكرسة لأكذوبة النظام الدولي الجديد الذي يريد أن يحول العالم إلى قرى متناثرة متناحرة وأن يجهز على حرية الإنسان ويصادر حق الشعوب في الاختيار الوطني والقومي وصولا إلى جعلها فريسة للنهب والاستلاب والاغتراب وطمس الخصوصية في تكوينها التاريخي.

أجل فالقصيدة هنا تحقق التكامل بين ما هو داخلي وخارجي، بين ما هو ذاتي وموضوعي، بين الخاص والعام، وبين الجزئي والكلي، وهي إذ تنجز هذا الأمر فإنما بقواعدها الخاصة وبرؤيتها المرهفة التي تروع أحيانا، وتشير إلى فجيعة وتلوث روح بعض بني الإنسان بقدر ما تشير إلى صبوات ولوعة وتشوق هذا الإنسان الشاعر للخروج من قبضة الكارثة بدم وسحر الكلمات وجاذبية السحر، ورغم أن الشاعر يبدو هنا مثل عندليب مقطوع العنق، لكنه يبدو أيضا مقاتلا غاضبا، متشبثا بينابيع النهر ومتجها نحو المصب.

يبدأ المقطع الأول من القصيدة برسم صورة رهيبة للدمار الروحي المتأتي عن الحصار، فالقيم المعنوية قد كسرت وروح البشر قد تجرثمت والمدينة هنا كائن مضيع، ممسوخ، صحراء مقفرة رهينة الجوع والكائنات الطفيلية من أثرياء الحصار والحروب الغارقين في مستنقع المنافع المبتذلة، هذه الكائنات المنخورة عقليا وأخلاقيا قد ألحقت بالمدينة الخراب، فهي هنا ليست مدينة فاضلة، وليست مدينة مثال أو نموذج، أو مركز تحضر واستقرار، بل كيان محطَّم ومحطِّم يتداعى تحت غزو أثرياء القرى وأثرياء المدينة الذين يقومون سوية بإلغاء وطمس سمات ومعالم المدينة الصافية، ويسعون لفصلها عن جذور تشكلها المديني الأول.

وهذه الصورة وإن بدت في الأول محايدة، إلا أنها تسلمنا إلى حالة أخرى وتفضي بنا وبالشاعر إلى وضع جديد لنجد الشاعر في المقطع الثاني ينتقل من رسم المشهد، إلى الاشتباك معه والدخول في قلبه المضطرم، وليكون الشاهد والشهيد بعد أم ملأ الدم حلقه وجعلته الحالة ينزف ( بين ضباع الدجى وذئاب الحقول ) .. إن المرارة لتملأ فم الشاعر هنا وتملأ أفواهنا، وإن الحزن ليطفح هنا فيحتل أعماقنا عبر لغة ملتاعة، جريحة، فيها بوح وألم عميقين بحيث نقترب من التساؤل إن كنا قد أضعنا الدليل وسط هذه المتاهة العجيبة التي تسلمنا من جحيم إلى جحيم آخر، وتنتقل بنا من جوع إلى خوف، ومن حزن إلى قهر وخراب.

وماذا بعد أن حلت الكارثة بالمدينة؟ ماذا بعد أن دب أهل القرى ودهموها بقيم عنيفة تتقاطع مع نموها وروحها الداخلية؟ ما ذا بعد أن شبت النيران واندلعت الحرائق وفاض الدم وصارت المدينة تقف على رأسها بدلا من قدميها، وتركض غزالة مبقورة البطن في الطرقات؟

وهل يمكن للشاعر أن يحيا في هكذا مدينة بل حب؟

لا بد للشاعر من هذا الانكفاء على الذات والتوغل في الداخل للإمساك بجوهرة الأعماق، فليس أصدق من مواجهة النفس في المحن والكوارث، ولعل أصدق الأشياء أكثرها ذاتية، ولذا فليس غريبا أن يقرر الشاعر بأن الأرض قد مالت وأن مخالب الجوع تنهش في كبده وتدفعه من أعالي الذرى إلى وديان الموت، وهل ثمة موت أكبر من موت مركب يرافق بين خراب ما هو مادي مع ما هو معنوي، أعني: أليس الجوع كافرا؟ ومفكرا أيضا؟

وهل ثمة أمر أدعى للأسى والشجن والألم من رؤية الحلم يُقتَل ويُجهض؟ الأمير الهلع رؤيته يتبدد كذرات رمل من اليدين، ويذوي كقطرات ندى تحت ضوء شمس جارحة، قاسية؟

ما هو شعور الشاعر، شعور المبدع، شعور الإنسان عندما يرى الآخرين من المخربين والخربين روحيا يذبحون أمام ناظريه طائر عشقه الجميل؟ هل يمكن أن يسلم الفنان المغني – الشاعر رقبته لقمة سائغة لأعداء الجمال ولصوص المجتمع الملوثين في وحل الشهوات والثروات؟ ماذا يفعل؟ يركن إلى يأس وإلى قنوط ويسلم روحه إلى حفرة معتمة؟ أم يولد من رماده نارا متدفقة تكتسح الدخلاء والطارئين وتنشئ ممالك للنور والحق؟

يظهر أن هكذا وضع مأساوي يملي شروطه ويثير إشكالات واختناقات متشابكة ومربكة في نفس الشاعر التي تتوزع بين الوتر والقوس، بين الظلمة والضوء، بين الإحباط والانكسار وبين السمو والكبرياء والنهوض، متدثرا بدم الإبداع وشموخ الرؤية والرؤيا، وفي حالة معقدة مثل هذه يستعين الشاعر على القبح والدمامة بما تبقى في الفؤاد من وسامة، مندغما بالحريق ومغتلما مع تجولاته المولدة للنور الذي يبدد ظلام ليل الشاعر الدامس رغم العواصف التي تجتاح أعماقه وترك في قاع روحه القرف والعويل.. يستعين على الرعب بالحب وعلى الظلام بنور القلب ونر الألم الطهور المطهِّر، لعله يغادر دائرة الفجيعة ويفتت الكارثة التي تشظت في دمه ورحلت مع كل نأمة بعد أن احتلت كيان الشاعر وزلزلت به بحيث كادت تفضي إلى خطيئة اليأس والانحدار إلى كهوف التشاؤم المستسلم .. أمام وضع شائن ومشين ، خشن وقاس، كل ما فيه مطوق بالأسلاك الشائكة، يحتاج الشاعر إلى طاقة روحية فريدة تجعله بمنجى من السقوط في بئر الاستسلام، ويحتاج إلى مهارة ودراية  وهو يسبر فوق أرض مزروعة بعشرات الألغام القابلة للانفجار في كل لحظة، يحتاج الشاعر وسط هذا الدمار وهذا الظلام وهذا الوضع التراجيدي الذي يريد أن يجهز على إنسانيته، إلى استنفار دمه وحث مهرة القلب لتنطلق به في ملكوت جديد إذ لا خلاص إلا بمقارعة السوء والتصدي الغاضب لأعداء الروح بعيدا عن المهادنات والمساومات التي تضحي بالداخل من أجل الخارج، وبالعكس لابد للشاعر بعد أن كشف وأدان وفضح الزيف وشخص إبداعيا التداعي الأخلاقي وهدر القيم وتلوث الروح، من رحلة جديدة لا تقف عند لحظة الكشف والفضح والتحريض فحسب، وإنما تتعداها إلى مد اللسان في وجه الدمامة والقبح، ومقاومة الانحطاط أينما كان، فأمنية الشاعر بأن يغادر الأرض تتبلور وتتطور عبر مكابدات وتحولات إلى حنو ورأفة نحو الأرض التي يحسها الشاعر تشهق وهو يزيح عن صدرها صخرة هم ثقيل ويجس حرائقها لتحقق ارتباطا بالجذور العميقة واستجابة لنداء صاف وأثيل يتناغم ويتكامل مع تألق وتوهج زهرة الحلم وردة العشق بين ضلوع الشاعر، فالحلم هنا حام إقامة في وطن لا أجمل منه ولا أبهى.. حلم إقامة يزيح حلم الرحيل المباغت وعودة إلى الحلم الأول الذي يوحد بين صوت الشاعر وصوت الأرض ليصبحا حلم المستقبل المنبثق من الخراب والحرائق..

لقد قدم الشاعر معد الجبوري نصه ( خَلق.. وخَلق ) بلغة أنيقة ودقيقة، ويمكن للمرء أن يتلمس آثار هندسة القصيدة في هذا النص، كما يمكن أن نتلمس مهارة الصنعة المتخفية تحت ستار فنية عالية حتى ليبدو العمل عفويا تلقائيا وتلك هي إحدى سمات الشاعر المجيد والشعر الحقيقي، وإذا كانت اللغة هنا عارية وجارحة، فإنها موحية وغير مباشرة ولها قواعدها الخاصة في دفع روح الدراما في جسد القصيدة الرشيق الضاج بنار ولهيب وحرائق الكلمات والأحاسيس المتفجرة مثل بركان يتدفق حزنا ولوعة وألما، لكنه يهمي وينهمر محبة وأملا مضيئا في الوقت نفسه، ولغة هذه القصيدة شأنها شأن لغة معد الجبوري في أغلب قصائده، لغة حادة وعنيفة تواجه القارئ بضراوة، وتتغلغل في نفسه مثل ماء رقراق في عروق عشب يتألق تحت سماء من رماد، لغة تصدم وتخلق التحريض، وهي ليست وسيلة تفاهم ووعي فقط وإنما طاقة لها القدرة على الفعل والتجسيد والإيحاء، فهو يكتب بلغة جديدة تحقق فكرة أن الشاعر هو الذي يشعل الحرائق فب اللغة ويصنع لغته الخاصة

وإذا كان الشاعر معد الجبوري قد أقام صرحه الفني على الثيمات التي ذكرنا، وولد. وولدنا معه مدججين بروح الرفض والغضب، والإصرار على الإقامة لا الرحيل، وعلى العودة إلى الينابيع الأولى لا الهروب إلى ملاذات كاذبة، فإنه قد شيد موسيقى قصيدته بطريقة منسجمة مع رؤيته لتراجيديا الدمار والخراب وانسحاق المدينة والإنسان إذ ( يقوم البناء الومسيقي في نص: خلق وخلق، عل بحر المتدارك في مزاوجة بين تفعيلتيْ ( فاعلن ) التامة و ( فعلن ) المخبونة، كما تقوم ضربات تقفياته على المد أو تذييل إحدى التفعيلتين بحرف ساكن )

وإذا كانت تفعيلة المتدارك هنا، تضفي عل خطاب الشاعر إيقاعا خارجيا يتناغم مع مجرى  الأداء المضمخ ببوح إنساني ملتاع، فإن هذا النص الشعري ينطوي في الوقت نفسه على إيقاع داخلي يتنامى ويتصاعد مع حركة المشهد الدرامي الذي يبدأ بفعل التحول في المدينة، وما ينضح عنه من صراع إنساني وطني ومن احتدام في مواجهة الآخرين ومواجهة الذات معا.. فيتلون الإيقاع بين مقطع وآخر وفق ما يشيعه كل مقطع من طقس له فضاؤه الأدائي الخاص المتصل داخليا بالأداء العام للنص

وبعد.. فللحصار شروطه وللحصار سطوته على الروح وقسوته في عهد النفوس البشرية المشرئبة صوب الشمس، وللحصار مخلوقاته المشوَّهة المشوِّهة، وكائناته القميئة العمياء، وله مسوخاته التي تطوق الأرواح النظيفة وتجرثم وتحرف وتجهض الأحلام الكبرى والأحلام البسيطة السهلة والممتنعة معا

فهل استطاعت أسلحة وطفيليات الحصار وقواه التدميرية، أن تدفع بالشاعر إلى التهلكة؟ أم أنه وكما رأينا قد صنع أغنيته الجديدة وأبدع نشيد مقاومته الشجي الباسل؟

إن هذا النص المحاصر داخليا وخارجيا لم يخنع أمام الحصار، ولم يركع لسطوته، لم يركن إلى دعة مستسلمة، بل أبدع خطابه الإبداعي الخاص المندغم مع روح التاريخ، فقد هرب الشاعر بروحه وهرّب روحه ونصه بقوة وسحر الكلمات، مؤكدا أن الشاعر الحقيقي عراف وروائي وكتلة نار متوهجة أبدا، ومدركا أن الشاعر الذي يحمل رسالة هو نهر يشق صدر الصخر ويجترح الأعاجيب.

نحن هنا أمام نص أنقذ من لعنة الحصار التي تريد أن تسمم الوعي وتقتل العقل والإبداع وتوج للرضا بالتطبيع والرضوخ لفلسفة الاحتلال على كافة المستويات.. نحن هنا أمام نص يرد الصفعة للحصار من خلال لطمات مبدعة تقرر وتفضح وتكشف وتدين، بقدر ما تشهد وتبشر وتتشبث بحلم الانبعاث والولادة من الحريق وبحيرة الدم.. ونحن هنا أمام نص لا يكتفي بإعلان خطابه الخاص ومغادرة دوائر الحصار الداخلي والخارجي، وإنما يتعداها في التحليق عاليا، قريبا من القباب، ليحط هنا أمامنا، ويواجهنا ونواجهه جميعا، ونحاوره ونصغي إليه بألفة وربما بكثير من المحبة والتعاطف، لإدراكنا أن هكذا نص محرِّض ومواجه، يمتلك القدرة على اخترام قشرة الزمن الخارجية والامتداد في الزمان والمكان، منحازا إلى فكرة وطن واحد – قلب واحد، ومحققا قناعتنا بأن الكلمة لا تمتلك القدرة عل قهر الحصار – وهو شكل من أشكال الموت المركب – فحسب، وإنما لها القدرة على قهر وهزيمة الموت والفناء.. وكفى بذلك آية.

***

 

سيرة المكان الشعرية

حركية الذاكرة وعنف الزمن

                              د. محمد صابر عبيد

 

( مجلة عمَّان )  العدد 162  كانون الأول  2008

 

          للمكان بتجلياته ورموزه وعلاماته سحره الطاغي في القول الأدبي عموما والشعري خصوصا، إذ يمثل مرجعية مركزية وإحالة جوهرية، ولا سيما في تلك القصائد التي تنحو نحوا سير ذاتيا في إجراءاتها الشعرية التكوينية والتشكيلية، فالمكان محطة تنطوي على كثافة وجدانية وترميز عاطفي عالِ يوثقها مرتكزا أصيلا ترعاه الذاكرة رعاية خاصة. وتؤلف حركيتها من خلال طاقاته على استنهاض نسق الذكريات وبعث ملامح السيرة.

وغالبا ما يتدخل الزمن بعنفه وشراسته وسطوته للإخلال بهذه الموازنة السيرذاتية في العودة الجمالية الحميمة ذات الحنين الأمومي إلى مرجعية المكان ودفع محتوى الذاكرة بأنساقه وخطوطه ومستوياته للتمركز حول أنموذجها والدفاع عنه في مواجهة زوال عارم يقوده الزمن لنسف هذه المرجعية الأثيرة وتهديد قيمها والسطو على كنوزها الدفينة الثرية، وهي تثوي عميقا في باطن الوجدان الشعري ذي النزعة الإنسانية المتجهة دوما نحو فضاء الذاكرة الجميل في شكل الزمن ومحتوى المكان.

في ديوانه ( حُرَق في فضاء الأرق ) × يقيم الشاعر معد الجبوري مأتما باذخا للزمن ابتداء من لحظة الشروع في عتبة العنوان، إذ يشتغل الدال الأسمي ( حُرَق ) على إفناء الزمن ومحوه بأنموذجية الراهن والقادم ( فضاء الأرق ) وهو يحجب الرؤية من الأمام ويرتد بها إلى الخلف على النحو الذي يغيّب الذهن البصري بعد إغلاق مجال الرؤية البصرية، ويعود به ضرورة إلى استدعاء الذاكرة واستجلاب الزمن الماضي تعويضا وجدانيا وإنسانيا عن غياب الراهن وغموض المستقبل.

ولعل مجموعة قصائده ذات النفَس الشعري الخاص التي احتلت الثلث الأخير من الديوان تقريبا ××. قد تركزت بشكل كثيف وبالغ الخصوصية على المستوى المرجعي الأهم في رحلة العودة إلى حركية الذاكرة وهو سيرة المكان، وقد ضخها بروح الشعرية  وموَّنها بجماليات التشكيل، وزودها بطاقات سيميائية هائلة على تحدي عنف الزمن وشراسته التدميرية عبر التمظهر الخلاق للغة المؤنسنة في مشهد الصورة الشعرية.

ذهبت هذه القصائد التي عنونها الشاعر بـ ( أوراق من مخطوط موصلي ) إلى تحفيز الحساسية الأركيولوجية والتنقيبية والمجهرية وإدراجها في ستراتيجية الفراءة، واستفزازها من أجل فحص ( أوراق ) الـ ( مخطوط ) المعلن الخصوصية ( موصلي ) وتحقيق نصوصه على نحو يحفظ أصالته ولا يخل بجوهره االعاطفي والحسب والإنساني والميراثي المحكوم بالفرادة والخصوصية وروح الانتماء .

تتنوع الأوراق وهي تفرد ألوانها على سيرة المكان الموصلي لتستنطق ذاكرته الحية على نحو تنسحب فيه الذات الشاعرة الراوية إلى عمق الزمن الذاكراتي، لتعيد إنتاج المشهد الجمالي للمكان بتشكيلاته ونظمه وتفصيلاته كافة، وتفعيل أنموذجه وتشخيصه وأنسنته ليضعه في مواجهة رمن الزوال الساعي إلى الإجهاز على حلم الذاكرة في الاستئثار بأصالة المكان وسحره المتغلغل في أدق مساحات الروح والقصيدة معا.

إن قصائد ( أوراق من مخطوط موصلي ) بمجموعها يمكن أن تكون سيرة مكان شعرية موجزة ، تختزل الفضاء المديني الموصلي بشبكة إحالات على التفاصيل والجزئيات والهوامش الدقيقة في شعرية المكان، وبعث روحها في الدوال الشعرية وفتح مساحاتها السيميائية المدهشة في ثراء منتج الدلالات وخصبها بالصورة الشعرية التي يشع منها روح المعنى وتتأصل إشكاليته ويتردد إيقاعه الصافي في حقوله ومساحاته وطبقاته كلها.

تنتخب القراءة قصيدة ( ورقة المحلة ) بوصفها قصيدة مركزية في هذا الميدان، يمكن أن تجيب على أسئلة شعرية المكان السيرية، وتظهر حركية الذاكرة على نحو جمالي فعال وغزير وتدافع في الوقت ذاته عن أصالة الأنموذج وتخله في مواجهة إنسانية وحضارية وجمالية مع عنف الزمن المشتغل على آلية الزوال والمحو وإنتاج القبح.

 

ولا شك أن عتبة العنونة في قصيدة ( ورقة المحلة ) تحيل في صيغتها الإفرادية المضافة ( ورقة ) عل الانتماء إلى ورقتين أخريين من أوراق الخطوط ، هما ( ورقة العاشق )  قبلها و ( ورقة النهر ) بعدها، في حين تأتي بقية عنوانات القصائد داخل حقل الأوراق غفلا من تصديرها بالدال المهيمن ( ورقة ) إلا أنها على نحو عام تسير جميعا في هذا الاتجاه وتستخدم الدال استخداما رمزيا غير مصرح به.

 

ولعل انفراد الأوراق الثلاث ( ورقة العاشق / ورقة المحلة / ورقة النهر ) بهذا لتصريح العنواني المشتمل على دال ( ورقة ) ما يمنحها قيمة اعتبارية تشكيلية وسيميائية ولسانية تفوق القصائد الأخرى وتوفر لها استقلالية تسموية، ولعل وقوع قصيدة ( ورقة المحلة ) بين ( ورقة العاشق ) في التسلسل الأعلى و ( ورقة النهر ) في التسلسل الأسفل ما يمنحها قيمة إضافية تساعد القراءة في البرهنة على عدها ذات حضور مركزي وجوهري كثيف في حركة القصائد داخل فضاء أوراق المخطوط.

 

تتألف عمارة القصيدة من سلسلة لقطات شعرية تنمو نموا هرميا دراميا في أنموذجين متقابلين يسعى الأنموذج الأول لإلى رسم صورة الزمن الذاكراتي الجميل الذي تتألق فيه الطفولة في علاقاتها الحيوية والعفوية بالمكان، وقد تجسد وتأنسن بشبكة من العلاقات التشكيلية والعاطفية التي تعيد إنتاج فضاء المكان بكل سحره وألقه ومسراته، عبر آلة تصوير شعرية تضغط على حركية جوهر المكان من الداخل وتقرن حساسية الوصف بشعرية القول الشعري في ممارسة تشكيلية تحكي قصة الزمن الجميل.

 

ويصور الأنموذج الثاني المقابل عنف الزمن وقد تدخل عميقا في تخريب كل ما أنجزته الذاكرة، وفتح الحال الشعرية عل معطى سيري راهن مشحون بالمفارقة الزمنية والمكانية، على النحو الذي يؤسس لسيرة مكان تعمل على زوال كل ما هو جميل في مكنز الذاكرة.

تنفتح اللقطة التصويرية الأولى من القصيدة على معالم المكان الأليف داخل فضاء (المحلة ) وهي الحي الصغير المتجانس الذي يرتبط فيه الناس بعلاقات وثيقة وحميمة غاية في الألفة والمحبة والتضامن والتضحية والإيثار، على النحو الذي يتحول فيه المكان إلى بيت كبير واحد لعائلة كبيرة واحدة تضم شبكة من العوائل التي تسكن المكان منذ زمن طويل عادة.. وتبدأ بآلية التوازي والارتفاع نحو الماء في مئذنة / تسند مئذنة:

 

          مئذنةٌ تسندُ مئذنةً،

           بيتٌ يحضنُ بيتاً،

                وزقاقٌ معقودٌ بزُقاق

 

بهذا لحنان والأمان  والراحة، المعبأة في دال ( مئذنة ) يتشكل فضاء المكان، إذ ترتفع صورة ( مئذنة ) عموديا نحو الأعلى لبعث صوت الإيمان نحو السماء وتزيين الأفق بجمالي عمارية خاصة. وتمتد أفقيا نحو مثيلتها الموازية بدلالة الفعل ( تسند ) بكل ما يختزنه من حميمية والتحام ومعاضدة.

وينطبق التصور ذاته على النسق الثاني من أنساق اللقطة التصويرية المرتسم في سيلق المدى الأفقي / بيت يحضن بيتا، حيث يتجلى روح الدال الفعلي الحاوي (يحضن ) ويتكشف عن ألفة وأمومة ومودة ورحمة عميقة بين بيت وبيت.

والحال نفسها على النسق الثالث الذي يتجرد من الفتنة الروحية قليلا ليرسم مشهدا تصويريا دالا على التفاعل الأرضي المشترك داخل فضاء واحد ( وزقاق معقود بزقاق ) يؤكد التواصل الحيوي المكاني المعبر عن التواصل الحيوي الاجتماعي.

تعود الكاميرا الشعرية بالذاكرة إلى أكثر المجالات الحيوية تألقا وحضورا، وهو مجال الطفولة:

 

        والأطفالُ يضجُّونَ،

                     حفاةً فَرِحينَ،

        صياحُهُمُ، إذ يَتَّفِقونَ،

                           أغانٍ،

        وعراكُهُمُ، إذ يختلفونَ،

                     عراكُ عصافيرْ..

 

إذ  تتمكن الكاميرا هنا من التقاط المشاهد الحية البريئة التي تحكي قصة المكان في سيرته الأولى، فتشفع مفردة الطفولة الجمعية ( الأطفال )  بشبكة دوال ضاغطة ومحتشدة في كثافة لافتة للرؤية البصرية على بياض الورقة ( يضجون حفاة فرحين ) على النحو الذي تكشف فيه عن كون خاص مكتظ بالحركة والبساطة والبهجة.ومن كثافة التركيز التصويري على المشهد العام للطفولة إلى تفصيل دال ينحو نحوا تشكيليا رياضيا في أدائه وتعبيره ، فالإيقاع الصوتي الجمعي المتجمع في بؤرة (صياحهم ) يماثل ويتوازى مع الإيقاع الحركي ( عراكهم ) ، والفعل الجمعي (يتفقون) يدخل في حالة مطابقة بلاغية وع الفعل الجمعي الموازي له ( يختلفون ) حيث تتجلى الحالة عن صراع ما.

وكذلك الحال فيما يخص نتيجة ( صياحهم ) بعد  ( إذ يتفقون ) المتجهة إلى ( أغان ) التي تدخل في مطابقة  صراعية حقيقية مع ( عراك عصافير ) نتيجة ( عرااكهم / إذ يختلفون ) على النحو الذي يخلق نمطا من الحراك التصويري الشعري المشحون بحساسية عالية تنعش أفق الذاكرة وتوفر للمشهد طاقة تدليل وتشعير خصبة تشد ذهن المتلقي إليها وتدمجه بها.

 

وما تلبث الكاميرا المشتغلة في حقل الذاكرة أن تسترد وعيها الزمني عائدة إلى الحاضر ومنفصلة عن الماضي الجميل بمسافة تتيح لها تصوير اللقطة من بعيد، حيث تتسلط عدستها من منصة الزمن الراهن على الذاكرة المنسحبة إلى البعيد لتلتقط لحظة شعورية مشحونة بالأسى على ذلك الزمن، واصفة إياه وصفا زمنيا مزحوما بثراء شعري بالغ الدلالة:

            

                  أيامٌ حُبلى

 

إن الدال الزمني الجمعي ( أيام ) بهذا الإطلاق التعبيري يكتنز بإيحاء إيقاعي مضمّخ بالأسى وحين يوصف بحبلى فإن كل مظاهر الغنى والبهاء  والخصب والحياة تتجلى في المشهد لتتضاعف الحسرة على حرارة ذلك الزمن ودفئه وجماله.

لا يتوقف دال حبلى عن انتاج دلالته في حدود وصفه المباشر والمتصل بـ ( أيام ) بل يهبط إلى اللقطة التالية ليشتغل على إنتاج دلالي ينفتح على أنساق أخرى:

 

           دورٌ عامِرَةٌ بِنِسَاءٍ خَفِرَاتٍ

فالمكان الأليف ( دور ) يتحرك بصفة تتماهى هنا مع صفة ( حبلى ) غير أنها تتشكل تشكلا آخر ( عامرة ) إذ تضيف إلى دلالة ( حبلى ) معاني جديدة تماهي في اللقطتين المتضاهيتين بين الزمن ( أيام ) والمكان ( دور ) تماهيا فضائبا سيميائيا.

وتعمل الصفة الأولى  ( حبلى )  على دفع الصفة الثانية الموازية اها وتحريض مكامنها ( عامرة ) للكشف عن ماهيتها وجوهر مضمونها ( نساء خفرات ) على إنتاج إشكال تصويري غامض وملتبس يتراوح بين الكشف ( نساء ) والحجب المحفز للإثارة والملهب للخيال الايروسي ( خفرات ) فضلا على رسمه للطابع الاجتماعي التقليدي وهو يعكس إشكالية العرض والحجب، الحصول والمنع، الصوت والصدى، والمسكوت عنه، في آن معا.

وفي المنطقة الأخرى من جدل المشهد ترتسم الصورة المواجهة في مكان آخر وفعل آخر، في السبيل إلى استكمال الصورة وتجليها:

 

         ورجالٍ ينضَحُ من أَيديهمْ،

                  عَرَقُ الكَدْحِ اليوميِّ،

 

فصورة ( نساء خفرات ) بطيتها الجمالية المبطنة تقابل صورة ( رجال ) التي يتجسد فيها فضاء الاكتمال الحيوي لبانوراما الحياة ( ي\نضح مت أيديهم / عرق الكدح اليومي ) وهو يتجه إلى تشييد العمارة الاجتماعية التقليدية التي كانت تقوم على هذه القسمة وهذا العرف والتقليد.

تنتقل الكاميرا إلى زاوية تصوير أخلرى وتتجه نحو فضاءات المكان الطائر لتستكمل تصوير المحيط المكاني كاملا بكل حدوده وزواياه على النحو الذي تمتلئ الصورة قيه بكل المشاهد المكونة له، حين تفرغ الذاكرة كل ما في جعبتها من عناصر ومكونات مودعة لديها، يمكن بقوة حضورها أن تحكي قصة الذاكرة مع الزمن والمكان:

 

        طيورٌ زاجلَةٌ،

           فوقَ الأكتافِ تحطُّ،

                وبينَ الشرفاتِ تطيرْ ..

       

 إن الفضاء الحميمي الطائر( طيور/ فوق الأكتاف/ تحط/ وبين الشرفات تطير ) يعكس تواصلا ديناميا بين المكان الأرضي والفضاء الطائر ويرسم صورة الرحابة والجمال المنبثق من وحي الذاكرة ويضخ مزيدا من تلون وديكورية تحف المقولة المكانية السيرذاتية التي تسعى القصيدة إلى تكريسها في المشهد وبنائها في الصورة

 

تنفرج اللقكة التصويرية ( دور عامرة بنساء خفرات ) عن زاوية جديدة للرؤية، ولتقديم المشهد ضمن الإطار العام الذي يسمح أحيانا وعلى نحو معين بخلخلة وزحزحة كيان المسكوت عنه داخل فضاء يعمل بنسق خاص آخر خارج عمومية المشهد:

 

       ووجوهُ صبايا

               تهطلُ ورداً،

        حين تطلُّ من الأبوابِ،

               ومن فوق سُطوحِ الدُّورْ..

 

( نساء خفرات ) يتحولن هنا إلى ( وجوه صبايا) إذ يختزل دال (نساء ) إلى ( صبايا) ويُختَرق فضاء (خفرات) المغلق نسبيا بـ (وجوه / تهطل وردا) منفتحا على علامات الجمال والسحر والإثارة والاستدعاء، عبر مساحات البوح المشهدي الذي يقترح لها الراوي الشعري  المصور نسقين، الأول ( حين تهطل من الأبواب ) والثاني ( من فوق سطوح الدور ) في سياق رؤية علوي متجه من الأسفل إلى الأعلى.

وتضيف هذه اللقطة بعدا جديدا للوحة تزيد من مساحة البهاء والفرح والمسرة، فيها حضور المكان الذاكراتي واستثارته بخطوط المشهد وألوانه وتفاصيله وخلفياته.

تؤول كل اللقطات السابقات إلى بؤرة اللقطة الأخيرة في مشهد الإستعادة الذاكراتية للفضاء السيرذاتي المكاني وتتركز فيها، حيث تتلخص وتحشد وتتكثف في بانوراما  وصفية تحتل فيها أنا الراوي الشعري السير ذاتي موقعا مركزيا يتحول فيها إلى ذاكرة تفصل بين زمنين:

 

        زَمَنٌ غَضُّ يتناثَرُ، كالقدَّاحِ،

                   من الشجرِ العالي

        وأنا فيه فضاءُ القدَّاحِ المنثورْ..

 

فالأنا المتحولة في سياق التشعير الطبيعي المهيمن إلى ( فضاء القداح المنثور ) تقف في نقطة فاصلة من المكان السيري لتشيّع زمنا غضا يملأ صدى الصورة الذاكراتية بالحلم والجمال والربيع والزهو ( يتناثر كالقداح من الشجر العالي ).

لكنه يقفل بذلك المشهد العام لفاعلية هذه اللقطات وحيويتها ودفئها ،إيذانا بالانسحاب منها والارتداد إلى موقعها الأنوي في الراهن العابر للذاكرة والمغيِّب فضائيا لكل تلك الصور واللقطات والمشاهد والرؤى، على النحو الذي يرغمه على تسليط كاميرا التصوير الشعرية على مشاهد الحاضر لتصوير لقطات موازية في مكان آخر وحساسية أخرى.

في الأنموذج الثاني من القصيدة تتحقق انتقالة نوعية في حركة الكاميرا ومكان التصوير وزمنه، إذ يغادر فضاء الذاكرة بسرعة خاطفة تاركا قيمه وحالاته وفرحة ماثلة في روح الأشياء:

 

       زَمَنٌ ألقى جَمْرَتَهُ في الروح،

                وراحَ على عَجَلٍ،

 

إذ أن ذلك الزمن الغض المتعالي والمتمظهر في اللقطة السابقة سرعان ما يتنازل عن صفته ( غض ) متعريا ببدائيته، ويرحل عن مسافة الحرية بعد أت يرك في روح الذاكرة ( جمرته ) الخالدة التي ما أن تهب رياح الماضي عليها حتى تلتهب بقياها من جديد، ويغيب عن مساحة الفعل ( على عجل )  بحيث يسمح للزمن المعادي أن يتمظهر ويكوّن أنموذجه على أنقاض الأنموذج الراحل ويبدأ فصل جديد مأساوي من فصول سيرة المكان تحت ضغط عنف الزمن وأفول الذاكرة.

تبري أنا الراوي الشعرية لتقود حركة السرد الشعري داخل فعالية سيرذاتية تصور المكان الراهن تصويرا مأساويا يكشف عن ثقل الزمن وانكساره وقربه من الموت:

       

          وأَنا أتلفَّتُ كاللصِّ،

         وحولي جَمْعُ عجائِزَ،

                  مُلتفاتٍ بعباءاتٍ سُود،

        يَقعُدْنَ على عتباتِ منازِلِهنَّ،

              وَهُنَّ يُحدِّقنَ بوجهي،

 

إن تشبه الأنا الراوية باللص كفيل بتجسيد حالة الغربة والضياع والتحرك في مكان لا تشعر بالانتماء إليه، بحيث تبدو في غربتها وتقصّيها البصري للموجودات وكأنها تمارس عملا لصوصيا.

وحين تكبر دائرة المكان الوجودية لها فإنها تنضم إلى حلقة تنتمي إلى الجزء الأخير الراحل من مسيرة الحياة (جَمْعُ عجائِزَ / مُلتفاتٍ بعباءاتٍ / سُود ) إذ تخضع الصورة لنسيج سيميائي مكثف في علاماته الداة على الانكماش والانحسار المأتمي في حالة التقهقر الومني الإنساني ( جمع عجائز ) والانكفاء في آلية حجب ( ملتفات ) ذات عمل شعبي مشحون بالمأساوية والانغلاق ( عباءات ) يضيف إليها اللون ( سود ) تاريخا من الحزن والسوداوية والظلامية التي تختزل إنسانية الإنسان إلى كتلة سوداء بلا ملامح.

 

تفعّل الصورة الشعرية داخل سكونية المكان وثباته القائم عبر فتح كوة بصرية تتحد فيها الأنا الراوية بصفتها اللصوصية ( جمع عجائز ) وهن يجلسن في الحيز الضيق بين سجن المنازل ومحدودية الفضاء الخارجي ( عتبات منازلهن ) في شراكة بصرية متبادلة تتعلق فيها عيونهن ( يحدقن ) بالمساحة الممكنة القابلة للرؤية من حضور الأنا ( بوجهي ) في سياق مأتمي يعزّي أحدهما الآخر فيه.

وما تلبث هذه التعزية المتبادلة داخل سياق الفضاء المأتمي للزمن الراهن بعد أفول نجم الذاكرة، أن تدفع بأنا الراوي إلى مساحة حيرة زمكانية تشعر معها بضياع كامل:

 

            أَتلَفَّتُ..

           أَلْتَفُّ ببعضي،

 

 إذ أن الفعل الذاتي ( أتلفت )  يعكس حالة من الريبة والشك والرعب عبر ترويع خارجي قادم من سواد المحيط وعلامة الموت البازغة فيه، وترويع داخلي يعبر عن إخفاق الذات في تجاوز محنتها وتحقيق ألفتها مع المكان، على النحو الذي يقودها مباشرة إلى مزيد من التقوقع والتلخيص والاختزال والتضاؤل والانحسار ( ألتف ببعضي )  لتقليص المساحات الزائدة وإشغال أقل حيّز ممكن من المكان يتيح لها فرصة الحفاظ على لحظة حياة موجزة ، والاقتصار على أصغر كيان حضوري ووجودي ممكن لا يتعرض لمزيد من قسوة المحيط ورغبته الجارفة في إفناء الأشياء ومحوها وتدمير جذوة الحياة فيها.إن آلية التصغير والتضئيل والاختزال التي مارستها الذات الراوية على أنموذجها في المكان والزمن كثّفت حضورها وسمحت لها بإطلاق مقولتها التصويرية:

       

        والدنيا: مئذنَةٌ تدفَعُ مئذَنةً،

              بيتٌ يطوي بيتاً،

        وزقاقٌ مهجورٌ،

             يعدو مذعوراً،

             خلف زقاقٍ مهجورْ..

  

لاشك في أن لوحة ( الدنيا )  معطوفة على ما سبق بـ ( و ) أعادت صورة الذاكرة السيرذاتية للمكان الأليف (مئذنَةٌ تدفَعُ مئذَنةً / بيتٌ يطوي بيتاً) عبر استبدال فعلي العمل في المشهدين المكانيين، ففي حين كان فعل الارتباط بين مئذنة ومئذنة في صورة الذاكرة ( تسند ) بألفته وحميميته، استبدل به في الصورة الراهنة الفعل (تدفع) بعدائيته وأنانيته.

 

وفي حين كان فعل الارتباط بين بيت وبيت في صورة الذاكرة ( تسن ) كل ما ينطوي عليه من روح محبة وتعاون وتكافل، استُبدِل به في الصورة الراهنة الفعل (يطوي ) بكل ما ينطوي عليه من رغبة وشراسة في الإزاحة والاستئثار والتغييب.

وهو ما يقود ضرورة إلى فك عقد التصالح والاندماج المكاني الذي كان سائدا في صورة الذاكرة( بين زقاق وزقاق معقد ) وإشعال فتيل المطاردة والخوف والجنون المتبادل بين ( زقاق ) موصوف بالموت ( مهجور ) وآخر مثله يتحرك أحدهما بذعر خلف الآخر على النحو الذي يغيب فيه صورة الذاكرة الذاكرة المشرقة تماما، ليحل الرعب قانونا يحكم حركة المكان وفعل الزمن ويسيج سيرتهما بمأساة الزوال.

على اثر هذا الضغط العالي الذي تعرضت له الذات الراوية الشاعرة وهي تحكي قصة السيرة والمكان والزمن بأسلوبية سردية منكمشة على ذاتها، لابد لفعالية اللغة وتشكيلاتها الصورية من راحة يهدأ فيها إيقاع المأساة  وتركن إلى التقاط أنفاسها استعدادا لإطلاق صيحتها على لسان الراوي الشعري، وتتمثل هذه الاستراحة بفاصل نقطي يشبه موسيقى تصويرية هادئة توفر مكانا ورقيا للقول الشعري تعويضا عن المكان الوجودي.

بعد أن يتحول المكان الورقي المجسد بالفاصل النقطي ( …………. ) إلى مكان بديل تنطلق مقولة الذات الراوية الشاعرة وقد استجمعت كل الأمكنة والأزمنة والحوادث والسير في صرخة واحدة:

   

        زمَنٌ ،

              في وجهي وشمٌ منهُ،

                 وفي صدري تَنُّورْ..

 

في دال ( زمن ) تتمركز الذاكرة والراهن في حاضنة واحدة ويتصدر الجسد ليعلن عن علامته في الزمن ( في وجهي / وشم / منه ) دالا على ما تبقى من زمن الذاكرة الجميل وسيرة المكان فيه دالا في الوقت نفيه على جرح الزمن الراهن وقسوة وجوده، والحال ذاتها على الصورة الموازية ( في صدري تنور ) حسرة على زمن الذاكرة والماضي ومن الراهن )

 

إن قصيدة ( أوراق المحلة ) تمثل خطابا مركزيا جامعا في إطار التمثيل الشعري لعتبة العنوان الكبرى ( أوراق من مخطوط موصلي )، منتجا لعلامة سيميائية جوهرية تغطي تجربة الزوال وتعيد انتاج سيرة المكان بآلية زمن شعرية تنهض على الاختزال التصويري العالي والحساسية الشعرية الرهيفة وشحن لغة التعبير بأكبر طاقة ممكنة على التحفيز والإيحاء والإثارة والتعاطف داخل بنية شعرية عمارية متماسكة ومشيدة بخبرة تقانية تحسن التعبير والتدليل والتشكيل والتشعير معا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

× حرق في فضاء الأرق – معد الجبوري – منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق  2005

×× يتألف الديوان من ( 113 ) صفحة، تشغل فيه قصائد ( أوراق من مخطوط موصلي ) من ص 76 حتى النهاية.

 

***

هذا رهاني

                        حسب الشيخ جعفر

 

جريدة الثورة  9-9-1986  

 

         منذ البيت الأول في هذه المجموعة ندخل مع الشاعر معد الجبوري عبر بوابة الروح العربية الأولى : البادية بالطبع.

إنّ القصيدة عن فارس ذي قار هاني الشيباني، غير أنها لم تأخذ من الفارس صورة وجهه القديم، بل تجعل من وجهه المعاصر أفقا وامتدادا عبر الأزمنة العربية كلها بانكسارها وانتصارها : ذي قار، مؤامرة الخرساني، المنصور، الرشيد واجتثاثه لشجرة البرامكة المسمومة.. حتى الوقت الحاضر تنتفض القصيدة إشراقا وبطولة، حيث ينتصف العرب ثانية من الفرس كما قال الرسول الكريم.. وبالرغم من المرارة الظاهرة تظل القصيدة متوهجة بكوكب النصر، وهو كوكب لا تنطفئ أنواره في المجموعة كلها

إن عناقا دافئا يتنامى في هذه القصيدة خاصة، بين الوهج الشعري القديم وانفتاحة القصيدة الجديدة، ويتضح هذا العناق في البناء العروضي وفي الصورة أيضا، في الوي الفسيح المترامي مثلما هو شأنه في القصيدة القديمة وفي حرية الإيقاع الداخلي الجديد وانطلاقته.

         وطلعت في بغداد

         في عنقي العراق بتخاه وبرافديه

         ودونه كأس الردى

             هذا رهاني

ليس هينا بالطبع أن يضع الشاعر يديه على هذا التوافق الفني البديع بين القدم والحداثة، وفي تصوري كان هذا متأتيا من المدخل الشعري الأول: هاني الشيباني، ثم تأني تحولاته فتمنح القصيدة نبضا دافقا لا ينقطع، وتحولاته واضحة هنا في تتالي الوجوه العربية الظافرة.. لكننا نبقى في افتتاحية القصيدة المنفتحة المقدامة:

           لم تجفل الفلوات من ذعر

           ولا ترك القطا طيب المنام

              ولا المها نفرت

                  ولكني أتيت

 ولا يقول هذا المقطع إلا شاعر من أبناء الينابيع الأولى، من البادية العربية. وإنه لشاعر متسربل بأردية الفلاة ومتوج بأسرارها، ومن هنا تبدأ جذور القصيدة صاعدة بالنسغ وماء الخضرة لتضفي عليها الرونق والحياة.

فإذا دخلنا ( حكاية قيس العراق ) وجدنا أنفسنا في رحلة شعرية أخرى مع فارس شهيد من شهداء معركة اليوم، ومع أن الشاعر في تماس بيّن مع التاريخ، مع الماضي العربي إلا أن قصيدته تظل متلامعة بأنداء المدينة المعاصرة.. نحن في هذه الموصل الشاعرة بأقواس أبوابها ومرمرها وقناطرها وقبابها، وقيس عاشق أخر هنا، إنما هو عشق آخر.. عشق الأرض الذي لا ينتهي، حيث النهاية ابتداء وتجدد:

        ووراء التخوم البعيدة

         كان الضحى مقبلا كالغزالْ

        والمنازل قبل رحيل الشفقْ

        من شبابيكها الخضر يدنو الهلالْ

في القصيدة صوتان جليّان بالرغم من هذه النبرة الهامسة الطيبة: صوت الشاعر وصوت الأم، غير أنهما صوت واحد هو صوت القصيدة نفسها. وإنها لروح واحدة تمنح الاثنين تداخلا وتمازجا، فلا نكاد نتبين ما بينهما من فاصل أو توقف,, فكما يمتلئ صوت الشاعر طافحا بالخضرة والذهب والخصب، وبالبطولة المقاتلة، يمتلئ صوت الأم بهذه الرموز نفسها: بالخيل والرمح وزغاريد المحلة وزهرها الندي وحنائها، ثم إننا لا نكاد نجد أبضا تنافرا بين الصورة القديمة: الفروسية وجيادها.. والصورة الجديدة وهي تأخذ ألوانها وخطوطها من المدفعية والعجلات، وهذا ما أشرت إليه بالتماس بين الجذر والفرع، وقد يذكرنا هذا التدافع الحثيث في الصور الشعرية بالسينما الجديدة، وها نحن نتذكر قدرة الشاعر المسرحية وكأننا في حوار بين الصورة والصورة.. في حوار متتابع فسيح

ومن الخفق الشعري الهادئ، خفق الذكرى وابتهالها بين يدي الشهادة المضرجة.. يندفع الشاعر في ( مسلة أخرى ) اندفاعة واثبة، هي اندفاعة الكامل المتموجة العالية:

         قبل اشتباك الورد والريح السموم

        ولدتُ

           بالحب اعتصمتُ

              وبالضحى عمدت قلبي

لاشيء هنا مكن مرارة القصيدة الأولى، وكأن الشاعر في خروجه من نهر الشهادة، يطلع علينا متوشحا بألوية البطولة والفداء، وكأننا في الشارع العراقي وقد ازدهاه نصره، يتدفق بنخيله ورافديه ووجوه أبنائه المكللة بندى الفجر.

وقد يأخذ الفيض العظيم شاعرا آخر مأخذا متعثرا أو صاخبا غير أن ما أبقى الشاعر معد الجبوري قابضا على راية الشعر هو قدرته الفنية ووعيه العميق بأهمية الصورة وإخلاصه لها، ولنأخذ مثلا أي مقطع من قصيدته:

       لما توهجت

        الفرات لسره القاصي دعاني

         وبكأسه المحفوف بالرؤيا

                سقاني

مثل هذا الصفاء الفني يظل متألقا من أول القصيدة حتى آخرها، وهذا ما ندعوه كلنا بالقوة والوفاء الشعريين، فإذا ما انتقلنا إلى ( أقمار الكومل ) أصبحنا في جو شعري آخر، هو جو المقاتل المترقب بين رفاقه وراء السواتر والأسلاك:

      أقمار الصيف على نهر الكومل

        في منتصف الليل

          تريق كؤوس الخضرة والنور

إنه لتأمل هادئ في الأودية والجبال وأقمار الصيف في إشعاعها على الوجوه المقاتلة الطيبة، وهي تتحدث فيما بينها أحاديث القهوة، وترقب أشباح الأعداء والثعالب المتلصصة الخائفة، متأهبة لإغماد النار والرصاص في الصدر الزاحف الحقود.

وتظل هذه المجموعة صفحات مشرقة بالضوء الشعري.. وبأقمار الساتر العراقي الحازم المقدام.

***

 

( شموكين )

التاريخ بإهاب معاصر

                                                 علي مزاحم عباس

 

( مجلة الأقلام ) العدد التاسع – السنة الخامسة عشرة – حزيران 1980 

 

       ( شموكين ) من المسرحيات البارزة التي شهدتها العاصمة فبل فترة سبق أن قدمت في كل من نينوى وبابل من قبل فرقتّيْ المحافظتين، وللاهتمام الفائق الذي حظيت به، مما يدفع إلى الظن بأنها لن تغيب طويلا عن الذاكرة، ولذلك أكثر من مغزى، على الرغم من أن المسرحية كتبتْ شعرا، اًصعب أشكال التأليف الشعري – المسرحي، والفن الذي لا ينجح في خوض غماره إلا أصحاب المواهب الأصيلة، وقد تكون درامية شموكين الشعرية من أسباب هذا الاحتفاء غير العادي.

أحسب أنه من المفيد التذكير بالتجربة البكر لمعد الجبوري مؤلف شموكين لنستجلي أحد أسرار هذا الاهتمام وذلك الاحتفاء.

على أثر نشر ( آدابا ) مسرحيته الأولى، في مجلة الأقلام عام 1972 تلقفتها فرق الهواة بلهفة غريبة، وأعتقد أن الاستجابة الطيبة لها تكمن في خصائصها الفنية وموضوعها الذي لبى حاجة اجتماعية وفنية لم يشبع منها جمهورنا ومسرحنا منذ أمد طويل.. إندغام الموضوع بإطاره التاريخي في الروح المعاصرة، يشير إلى أن المؤلف قد استثمر بنباهة ورهافة حس ، كلاًّ من الشعر والتراث بصفتهما أبرز مقومات وجداننا القومي والنفسي والوجداني.

ظهرت ( آدابا ) في وقت كانت تشكو فيه ساحتنا المسرحية من فقر واضح إلى المواهب المبدعة، ومن إحجام المؤلفين والشعراء عن ركوب مركب ( المسرح الشعري ) الصعب المراس، ويُتخيل لي أن الفترة التي أعقبت ظهور الابنة البكر، وهي فترة طويلة نسبيا، إلى ظهر ( شموكين ) كان معد الجبوري أثناءها يثقف أدواته بصبر وأناة وتواضع، فجاءت الابنة الثانية أجدر وأكثر امتيازا من شقيقتها، ولسنا هنا بصدد التنويه بالفروقات أو المقارنة بين الاثنتين، ومن الغريب أن تجرف الحماسة البعض ، فلا يرى ( شموكين ) امتدادا متطورا لـ ( آدابا ) وأن يصرفه الانبهار بها عن رؤية عملية التجسيد التي قام بها مخرجها ( شفاء العمري ) بتدقيق وتمحيص تامين، ومن بين فضائل عرض ( شموكين ) الذي بعث المسرة في أفئدة محبي الشعر والمسرح، أنها فتحت لأكثر من باب لمناقشة قضايا مهمة، كانت قضية الغياب الطويل للمسرحية الشعرية الجديرة بشرف الظهور على المسرح، ومصافحين عيون المتفرجين التواقين لفن نظيف وجميل للعاطفة وحفز للعقل، من أخطرها

امتازت شموكين باعتبارها تراجيديا شعرية بالالتزام للمنهج الواقعي الذي اتجه إليه مسرحنا منذ سنواته الباكر ، حين ارتبطت القضايا الاجتماعية بالتعبير الفني ولكنها لم تقع، كما حصل مع العديد من مسرحياتنا الواقعية، أسيرة الدلالات الجديدة المباشرة، وإنما ارتفعت عاليا لمعالجة موضوع حساس في صيغة شمولية وبطابع فلسفي شعري.

لقد أبصر المؤلف برؤيا فكرية – درامية الجدل الحي بين التاريخ وعصرنا الحالي، فقدم لنا، من خلال حادثة تاريخية بسيطة، تجسيدا نابضا بالحياة للمصير المأساوي الحتمي الذي ينتظر كل انفصالي يرتبط بالعدو الأجنبي، فلا غرو أن يجد المتفرج صلة واضحة المعالم يين موضوع ( شموكين ) والواقع القومي الذي تُمتَحن به أمتنا العربية ومرحلتها العصيبة الحاضرة، وأن يكشف عبر نسيجها الفني استبصارا متفائلا للماضي والحاضر والمستقبل، مرتكزا على قانون حتمي لا مفر منه، تتميز به في العادة، المسرحيات المحكمة البناء.

ليست المسرحية في حقيقتها صوت الشاعر ( دنجر أدامو: مثل الدور مجيد البياتي ) الذي بلغه نداء يستنهضه لكي يروي لأحفاده – بصفته شاهدا على ما حدث وإن لم يظهر في خضم الأحداث مشاركا لشموكين ( مثل الدور علي احسان الجراح ) وعرافا تكلم وعلى لسانه جمرة وفوق رأسه سيّاف، وإنما هي صوت الشاعر الدرامي معد الجبوري، إلينا وإلى الأجيال القادمة، لأن وراء الصمت الذي يحيط بأضراب شموكين زماننا ( دما يحتج وتحت رماد الخيبة جمرا يتوقد )  ومن أجل أن يسكت ( أي شموكين ) نبض الدم أو يطفئ جمر الرفض، فإنه لا بد أن يحيل الأرض خرابا.. ذلك قانون يحمل في أحشائه قانونا آخر يصبح فيه الجمر ( خطى تسعى في كل مكان ) هذا الجدل وهذا الاستشراف الذي تسقط ظلاله على زماننا الرديء، هو الصوت الهامس والهادر الذي يمسك بتلابيب الأحداث، من هنا فإن التعرض الذي ظهر في الإخراج، فقد أسقط المرتكز الفكري للمسرحية وقلبه رأسا على عقب .. صوّر شفاء العمري الشاعر دنجر أدامو، مجرد سطور مدونة قي كتاب نتصفحه مبهورين مندهشين ونحوله إل مادة صحفية مثيرة، بعدها ندير لها ظهورنا، بأن نحنطها بين دفتي كتاب يشبه التابوت.. يفقد للتاريخ عند العمري صوته المحرك الفاعل، وبذلك انتهى الإخراج إلى نهاية قاتمة تحمل نوعا من الاستفزاز . وإن الشكل والطريقة التي يخرج بها الشاعر بملابسه التاريخية محاطا بأربعة رجال بملابس معاصرة ( بيات محمد حسين وهارتيون ميساك ومحمد مهدي وغانم سعيد ) والمسرح خال، سبب آخر يدعونا إلى الاختلاف مع المخرج.وإن محاولة رده على منتقديه أثناء جلسة المناقشة المفتوحة بقوله: ( إننا لم نستفد من التاريخ، وإننا نقرؤه ونتركه جانبا وعلاقتنا به شكلية ) محاولة تحمل في تضاعيفها عنصر ( نفي مطلق ) يتنافى والرؤية التاريخية لتجربتنا الإنسانية، كما يتنافى ومهمة الفن الايجابية بان يتعامل بمنظور تاريخي بموضوعات ذات أفق شامل وليس مع الظواهر العارضة أو المرحلية المؤقتة، ,اعتقد أن في تفسير المخرج للشاعر قد سلب ( امتيازا ) آخر للنص الذي لامس بعمق تاريخنا والتجربة البشرية، لذلك فإن المشهدين الاستهلالي والختامي اللذين أضافهما قد ظهرا من وجهة نظري مناقضين لطابع المسرحية التاريخي، بل وخروجا على القيم الفنية والجمالية والشعرية في المعالجة الإخراجية، وسأحاول البرهنة على ذلك.

يبدو إتقان المؤلف لصنعة الكتابة ومهارته في أكثر من وجه وأكثر من موضوع.. نراه يقتصد في إعطاء معلوماته، غير ميال إلى كشف أوراقه سريعا ومرة واحدة.. يخبئ معلوماته عن الشخصية وعلاقاتها ودوافعها ووجهات نظرها، ويوزعها في ثنايا النص بما يشبه ضربات فرشاة مندرجة الشدة والألوان، وأوضح ما يكون هذا في رسم شخصية ( لوكال وكنجو وإيلاني ) كما تبدو استفادته الذكية من مختلف المدارس المسرحية، فإن الشبح يحمل نكهة المسرح الكلاسيكي كما يحمل إمكانية الاجتهاد في التفسير.. فقد استثمر العمري وجوده لعبر عن ( الكابوس الداخلي ) الضاغط على شموكين، وسحبه من منحاه الكلاسيكي إلى المسرح المعاصر.. حوله من فرد إلى مجمعة ( مثل الأدوار ميسر عبد فليح ويونس السبعاوي وأحمد كركجة وعبد الكريم محمد وسمير ابراهيم وأياد جرجيس )  وبذلك ضاعف من قوة تأثيرها، ووضع على الأوجه الأقنعة وبذلك خلص الشبح من هوية محددة، ليزيد من قوة تأثيرها النفسي على المتفرج.

لم يكن الشبح صوت ( أسرْ حدّون ) والد شموكين ، لأن ذلك يعني أن يتبرّأ الأب من ابنه الذي فصل ( بابل ) عن وطن يمتد من البحر إلى البحر وصافح الأعداء الدخلاء، متربعا على عرش كجرف من رمل تهدر أمامه الأمواج وتعربد الريح، لهذا أميل إلى الاستنتاج بأن وجود الشبح تعبير عن الذعر الذي نشب في أعماق شموكين الذي كان يشعر بالخطر المحدق بعرشه، لهذا فإن صرخته بطلب النجدة من لوكال ( مثل الدور صبحي صبري ) القائد الكاشي ومن كنجو عراف قصره،( مثل الدور طلال الحسيني ) ومن كيشار زوجته ( مثلت الدور لندا نجيب ) إلا بدافع إحساسه بذلك الذعر، وبذلك هرعوا ليطمئنوه بأن قصره محاط بالجند والعيون، وتجيء حركة شموكين بامتشاق السيف تعبيرا عن صراعه النفسي ، وتعكس في الوقت نفسه جزءا من طبيعته العنيدة.. وإن كنت وجدت شموكين بأداء علي احسان الجراح ضعيفا قلقا أكثر من أي شيء آخر.

ويختفي الشبح، ولكن إذا أخذنا بالتفسير السالف الذكر، فإنه يظهر بصورة أخرى يعكسها الصدى الداخلي للحلم والتأمل ، كمظهر من مظاهر الاستبطان الداخلي لهواجسه وقلقه وتوزعه.

وإن دور ( الحلم ) و ( الحدس ) في المسرحية ضرب آخر من ضروب استفادة معد الجبوري الذي لم يكتف بالاغتراف من التاريخ العراقي القديم، بل ونهل من المميزات الفنية لشعر وادي الرافدين وأدبه، إذ كان ( التأمل والحدس من خصائص الشاعر العراقي القديم ) – راجع مقدمات في الشعر للناقد طراد الكبيسي، بغداد 1971 ، ص 18 –  كما تميز( استباق الحوادث عن طريق الرؤية الحلمية ) –  راجع الكتاب نفسه ص20 – وإذا كانت كثرة الإعادة والتكرار لإلى درجة مملة أحيانا – المرجع نفسه ص 67 – من خصائص أدبنا القديم، فإن كثرة التطرق إلى الحلم وتكراره عند معد الجبوري أشبه بلحنٍ عُزِف ووٌزِّع بتنويعات مختلفة، فكنجو يفسر ظهور الشبح بأن سيده كان يحلم،و ( الحلم ) عند شموكين يغني الطموح إلى الانفصال، فقد ( كان تاج أيامه وصولجانه الوحيد ) أ، يفصل بابل عن جسد الوطن، وعندما يقبض لوكال على الفلاح ( أنكمدو ) – مثل الدور محمد نافع – لا لشيء إلا ليثبت يقظته في تشديد الحراسة ، يفسر الفلاح وجوده قرب القصر  بأن الدنيا قد دارت في رأسه ، أو أنه كان ( يحلم ) وكان قبل ذلك يحلم بالبذرة وهي تشق الطين بزمان تمتلئ الأرض به أزهارا وبساتين، وشتان ما بين حلم شموكين الانفصالي وحلم الفلاح المتشبث بالأرض، ويتزلف كنجو لسيده، فيقول له بأنه لا يحلم مثلما يحلم الغوغاء والعامة، بل يحلم حلما يليق به كملك، ولا يتساوى من وجهة نظره، السادة واللقطاء في الأحلام.. لقد أراد المؤلف أن يؤكد أن نظرة السادة المترفعة للحياة والمجتمع تضع حدودا بينهم وبين الآخرين حتى في الحق ( بالحلم ) ، ويقرن المؤلف الحلم في مشاهد أخرى باليأس ونفاد الصبر على لسان ( الأول ) أحد أتباع إيلاني – مثل الدور ريكاردوس يوسف) الذي يراه الشاعر رافضا بطريقته الخاصة بالهرب من مواجهة الواقع إلى الخمرة والعبث، ويراه بعض آخر كرجل عربد وقح مجنون، وينتقد إيلاني تابعه ويدعوه أن يمسح حزنه بالمزيد من الخمرة، وأن لا ( يحلم ) ثانية بنطح الصخرة، أي لا يفكر بأن يصطدم بالسلطة.. ويقترن حلم إيلاني بحبيبة روحه كيشار تلك (الظبية ) التي اصطادها شموكين.. والحلم هنا يقترن بقضية شخصية .. وتصبح الأحلام قرينته لاغتصاب الوطن عندما تراود الكاشيين الدخلاء، فقد حلم لوكال قائدهم بأن يفصل كالح عن آشور تكريسا للانفصال وتوسيعا لمساحته.

 لم ألمس لدى شفاء العمري اهتماما خاصا بهذه الميزة الذي أكسبت النص طعمه ومذاقه الخاصين بالرغم من أنه احتفى ببعده التاريخي كما في:

  ×  استثمار لون القرميد الأحمر في إكساب جمالية الديكور عبق التاريخ والحضارة

 ×  تصاميم الديكور والاكسسوار والملحقات

 ×  تشكيلات بعض المشاهد ، وبالتحديد في مشهدَيْ القبض على الفلاح وتعذيبه ، وفي مشهد  صخب جماعة إيلاني.

لعل البناء المحكم لحبكة المسرحية، أبرز ما تتصف به المسرحية دراميا، فقد نسجها واضحة ومتماسكة، إلى درجة كبيرة، وتتطور أحداثها بسلاسة منطقية معقولة، ولا تتعثر بمصاعب التأليف الشعري المألوفة، خاصة وأن المؤلف تجاوز السمات العامة للغة الشعرية المسرحية من كثافة وتركيز وإيحاء وإيقاع موسيقي إلى الالتزام بالقواعد العروضية، فكان ميالا إلى التفصيلات القصيرة التي تتدفق سريعا.

ويشكل رسم علاقة كيشار بزوجها نقطة الضعف في الحبكة، وأسهم الإخراج في تجسيمها وإبرازها، فإن تاريخ الشخصية ينبئنا أن شموكين قد أرغمها على الزواج منه ، في حين أنها كانت تهوى إيلاني الذي انقلب، بسبب خيبته، إلى ( وقح عربيد مجنون )  وعندما تندلع ثورة ( بانيبال ) – مثل الدور محمد العمر – على حكم الانفصال والاستبداد والخيانة مدعوما بالفقراء والفلاحين والمظلومين، فإن الصراعات تنفجر جميعها، ومن بينها صراع كيشار وشموكين، كان هذا الانفجار بحاجة إلى ما يمهد له كأن يكون هناك مسبقا مسافة معينة بين الزوجين، وكان ينبغي أن يوزع المخرج لمساته وضرباته الفنية بما يوضح ذلك، كالاعتناء في إلقاء الممثلة وعلاقتها بشموكين بما يجعل شخصيتها أكثر تماسكا، فعلى سبيل المثال، حين تخاطب كيشار زوجها ( لكنْ… هل تخشى بانيبال وأنت شموكين الأكبر؟ ) فإذا نطقتها بصيغة التعجب فالأمر يختلف تماما عما إذا نطقتها بسخرية، وحين تسأل لوكال الذي اقترح بخبث شراء إيلاني لإقناعه بالاندساس في صفوف الثوار ( من يدفع إيلاني كي يندس.. وكيف؟ ) بصيغة الاستفسار المحض أو الفضول، فالأمر يختلف عما إذا لو حاولت ثني لوكال بأن تجعله ييأس، وإن قولها باحتمال أن يكتشف بانيبال اللعبة ما يوحي بالدفاع عن القصر كما يوحي بفرضيات أخرى، لقد صورها المخرج كالحمامة الضعيفة المستكينة التي تهرع إلى صدر شموكين محتمية خوفا، ولم يكن لكيشار دور فاعل في الأحداث التي تحتمل الكثير، ومن بينها إخراجها باقتراح أن تتطوع بإقناع إيلاني لما لها من تأثير عليه، كانت كيشار في المشاهد الأولى مستسلمة وفي حالة تشبه الغياب، ولم تسلط عليها الأضواء إلا في المشهد السادس الذي تتذكر فيه حبها وتناجي نفسها، وحين يظهر إيلاني في اللحظات التي تسبق الهجوم على القصر ليناغيها من خلف السور بكلمات عذبة ورقيقة وفي مشهد جميل رائع تتداخل فيه القضية العاطفية بالطوفان السياسي الذي سيكتسح كل شيء، لم يكن تجسيد مشهد السور ( صمم الديكور والرسوم التاريخية بشير طه ) دالا على ابتكار يوازي في مستواه روعة المشهد، فقد كان متواضعا إن لم يكن ساذجا لصغر حجمه وسوء تحريكه .. وعندما يعترف شموكين بعد أن يخبره لوكال بهربها مع إيلاني، بأنه كان غافلا عما يجري تحت بصره، فإنه يحس بطعنة أشد إيلاما من طعنة لوكال، وبهذه الطعنة يكون الخائن قد راح ضحية أسياده.

أرع أن أسلوب المسرحية يتطلب إيقاعا سريعا، في تحريك الممثلين  وتنفيذ الإضاءة ( تصميم محمد نافع ومن تنفيذه ) وتغير المناظر المسرحية وبناء التشكيلات المتماسكة واستثمار أفضل لمساحات خشبة المسرح بإضافة إلى المعالجة الشعرية

إذا كان المخرج قد حالفه بعض النجاح في ضبط الإيقاع، ومال إلى التشكيلات الواسعة حيث جرى معظمها في أعلى المسرح وعلى يسار الوسط ويمينه، إلا أنه استطاع أن ينظم العرض فيما يشبه القصيدة الجميلة التي تمتع الأذن والعين والقلب أكثر من إمتاعها للعقل، فكانت الموسيقى التي لعب الأرغن فيها دورا هاما وجميل ( محمد النجي بن ابراهيم ) والإضاءة الدافئة وألوان الملابس والديكور الجميلة تشبه لوحة ممتعة. وقد برع ريكاردوس بحضوره الجذاب على المسرح وقدرته على ملء فراغات الشخصية في تجسيد شخصية لها طابعها الفريد، وتميز صبحي صبري الذي أدى دور لوكال بما عرف عنه من أداء يتسم بالعنف والقوة، واستطاع طلال الحسيني أن يقدم كنجو بكونيات مختلفة تتصف بالملق والزلفى والمداهنة والخبث والذكاء، وكان مشهدا إيلاني ومجموعته واغتيال شموكين من أكثر المشاهد توهجا وتأثيرا، إلا أن مشهد المبارزة كان منطفئا بل خطرا على الممثلين.

كانت شموكين كمسرحية واقعية شعرية نفيسة يتعانق فيها الصراع الخارجي والداخلي، من الأعمال التي تشكل من غير مبالغة منعطفا هاما في المسرح الشعري العراقي الحديث.

 

***

 

وردة للسفر

بين الاكتشاف والتجاوز

                                  ثامر معيوف

 

( مجلة الطليعة الأدبية ) العدد الأول – كانون الثاني 1986

 

             بدأت بواكير البحث عن معنى أو رمز جامع تجد تعبيرها البسيط فبل إصدار معد الجبوري مجموعته الثالثة ( وردة للسفر ) بوقت طويل ، فقد ظهر مفتاحها الأولي في قصيدة بطاقة للسيدة المجرية:

    ( بودابست امرأة

    يمكن أن تختصر العالم قي عينيها )

يدلل هذا المقطع على مدى كون السفر ملائما لإعطاء رمز جامع، ولو بصورة غير مباشرة، فقد فتح الشاعر عينيه على التواصل الإنساني الذي تمنحه تلقائية التعارف، ومادام الهم الانساني منصبا على عقد الصلح بين القصيدة ووحدة الانسان الذي تعير عنه، الانسان الذي أصبح يوحي ظاهريا بالانفصام والتعددية، فإن الشعر يمكن له أن يأخذ دوره، خاصة وأن الأدب والفلسفة قد أثارا أسئلة كثيرة ظل معظمها بدون جواب، فما هو مفتاح لمّ التجارب الاهتمام والهموم المتنوعة؟ ولماذا أحدثت الهوة السحيقة بين الانسان وأخيه، وبن المحيط الانساني ورديفه؟. لم تحفل المجموعة الثانية لمعد الجبوري ( للصورة لون آخر ) بهذا المفتاح الجامع للتجربة، وكانت قصائدها مهتمة بتوضيح وتعميق وإغناء تجربته الأولى في مجموعته ( اعترافات المتهم الغائب ). وفي الحقيقة لم نجد سوى عنوان المجموعة نقسه على هذا السياق، فقد كان للصورة حقا لون آخر، ولم يكن معد قد تخلص من أسر المدينة، ثم إن تجربته كانت تختمر على مهل، وكأنه يرجئ المشروع إلى فترة لاحقة، ولما صدرت مجموعته الثالثة ( وردة للسفر ) بعد أن استهلك الكثير من طاقته في مجموعتيه السابقتين وفي مسرحيته الشعريتين ( آدابا ) و ( شموكين ) أحسسنا بأنه قد وفق في العثور على مفتاح للقصائد فأخذ يستخدمه رمزا جامعا لتفاصيل تجربته وحالاته وتنوعات خبرته ومدى ما ينفلت منها من هموم وانبهارات واكتشافات، هذا الرمز هو السفر، وقد كان شعراء سابقون قد استخدموه بطريقة ما، إما عن طريق حياتهم نفسها ( كأبي تمام ورامبو ) أو عن طريق إبداعهم، مثل نزار قباني الذي كان قد قال قبل سنوات في قصيدة 0 اعتذار إلى أبي تمام ) :

    ( إنَّ الشعر في أعماقه سفرُ )

ولكن معد الجبوري لا يخصص لمشروعه هذا تخصيصا مباشرا سوى ست قصائد وكأنه بذلك يعود مرة أخرى إلى التنوع وينصاع لاندياحات التعددية سواء في الذات أو في مشكلاتها مع بيئتها، ويعبر عن ذلك بالمقطع التالي:

       ( يلزمني درب آخر

             لا تصدأ فيه الرغبة،

         في الخارج تتصل الأمواج،

        وفي ذاكرتي يتسع الأفق )

يذكرنا هذا المقطع أيضا بجملة ( النفّري ) الشهيرة : ( كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة ) التي وردت في كتابه الموقف والمخاطبات.. إن مشكلة التعددية ليست خاصة بمعد الجبوري وحده، إذ أنها قديمة ولكنها تتزيا بثوب جديد، ومع أن معد الجبوري لا يقبل بانفلات خيط الرمز كليا، فيظل حتى آخر قصيدة وفيا لتجربة السفر، إلا أنه يتعرض إليها في القصائد الخمس الأخيرة من خلال افرازاتها أو من خلال ما توحي به، وليس من خلال كونها رمزا بحد ذاتها

قلت: إن معد الجبوري يستخدم السفر كرمز جامع، وأقصد بهذا أنه يستفيد منه غطاء ورابطا للمشكلات التي يواجهها وكذلك للاكتشافات والهموم ونقاط الاختلاف. إنه يعرض من خلاله قضيته، لذلك فهو أرضية أحيانا وخلفية في أحيان أخرى، فالسفر يحمل في طياته عفوية التآلف والتعارف وجماليات الود الوجيز كرد على تعقيدات العلاقات المعاصرة ويعيد المرء إلى جذوره الأولى في تأسيس بدايات العلاقات الجماعية والنزوع إلى الآخرين.

في قصيدته ( مراجعات خاصة) تظهر حالات وتغيرات لحظة الوقوف بين سفرين هما لحظة سفر ماض وسفر مشتهى، وذلك غبر ست وقفات تبدؤها ( وقفة للصيف ) المخصصة لحلول أوان السفر السنوي.. الصيف هنا هو رديف لموسم الرغبة عند بعض الكائنات الحية وكذلك دليل على الانبعاث مثلما كان النيل رمزا لتجدد الحياة عند قدماء المصريين، لذلك ينطلق التوق البسيط سعيا وراء ( سماء بلا حدود وبلاد فاتنة وعجيبة ) ولكنه توق مستعاد لحالة سفر ماض في ( وقفة لصديقي ) حيث يظهر الحنين إلى الحركة وكسر طوق السكون وهو حنين مصحوب باللهفة إلى الجماعية وممتلئ بالحلم الذي تعبر عنه ( وقفة للمحطات ) و ( وقفة لجبل بيتوشا ) عبر الإيغال في البكارات أو نبذ الخوف والقلق، وكذلك عبر الانسجام بعفوية مع عالم مفتوح رحب، والحلم نفسه ملغوم بوجود الأنثى التي هي شطر الجماعية الآخر، إذ تستحيل مباشرة إلى رمز في ( وقفة لامرأة ).. إنها تؤدي وظيفة دائما فهي رمز لخصب السفر ورمز للاغتسال من الثرثرة اللامجدية.. وفي مقطع ( وقفة للغزل) يعبر وجودها عن الرغبة في تحطيم العزلة رغم أنها متمناة أكثر مما هي واقعية، لقد نقلتها المراجعات الخاصة إلى مستوى الأمنية:

       ( كوني معي لا ينشف الهواء

          والسماء

             لا تؤجل المطر )

وفي قصيدة ( أحكي عن الساحرة الأولى ) سيتم الانتقال إلى أفريقيا حيث سلطان السحر المطلق، فتباعد ( فاطمة ) بين صفَّيْ أشجار الغابة وترقص فيفوح عطر سوادها الجميل، ثم حين تقطع الطريق تصير امرأة الغابة العارية كالرمح، أي المشتهاة القاتلة ترش أساس الحياة، وبادئها ( طلع الزهر ) وتلتصق بنسغ حي، فتبدي أمام حيويتها مشكلة حياة مطمورة سابقا وراكدة ، حياة فاقدة لنكهة قياس الأشياء وحائرة بين ركضها نحو الغابات وركض الغابات نحوها.. بين عريها أمام الغابات وعري الغابات أمامها، رغم عدم ارتداد الطرف، أي رغم الاتصال الزمكاني بينهما.. إن الدخول في الغابة يحيل الحلم إلى جسد ويضوع أسئلة المثول أمام فاطمة ثم يحسر هذه الأسئلة تدريجي لإلى حدها المفرد وهو اسم الحلم فاطمة ).. فحيوية الروح القادمة إلى الغابة مطمورة تحت الثلج الاكتشاف، والأنثى لا تريد كلاما لأنها كتلة من فعل صامت عارم:

      (  فاطمة انتظري

         فاطمة اتزني

         فاطمة…

        النمر الرابض في الأعماق

                يغطيه الثلج )

ثم تتحرك الغابات فتهز الدم وتثير ذكريات العام البدائي حيث البكارة والسحر، وهكذا يتم اتحاد الروح القادمة مع الأسرار وتتشجع فتصوغ مستقبلها الرحب ضد الوحدة والسكون اللذين أثارهما الاكتشاف:   

       ( نافذة للحلم

         نداء ممالك لم تولد بعد

         أوان للغرق الفاتن

             هذا الجسد البحر

                     الجسد الغابة )

يتم الاغتسال إذن بفتنة الارتباط البكر بين الأنثى والبحر والغابة، وتصير الأنثى رمزا متحولا جديدا يشير إلى التفرد والامتلاء والتحول:

      ( جاءت فاطمة الشمس

        الأمواج المكتظة

        جاءت فاطمة اللحظات الشرسة )

في قصيدة ( مكابدات أفريقية ) كما في ( مراجعات خاصة ) يعود ولع الشاعر بتقسيم القصيدة إلى مقاطع، فمثلما تتبدل الانفعالات والحالات وتصح حالة التقسيم إلى وقفات أو مقاطع يستهل معد هذه القصيدة بحكمة أخذها من بحّار هرم:

        ( إنّ البحار

          هو اللؤلؤة المفقودة )

هذا هو مدخل أفريقيا، التي هي أيضا جوهرة سوداء، ويتم الدخول بالانفراد والتعرف على معنى الوحدة ومعنى الانعزال عن الآخرين.. إن الانفراد في الغابة يعني الموت، هذا قانون بديهي، فكيف إذا تصاحب مع التركة الثقيلة:

       ( ما هذا الناطور الوقح

         الراكض خلفي

        من عصر الصحراء

            إلى عصر الغابة والبحر )

ويتم التعويض عن الجماعية في مقطع ( صورة ) بالمؤانسة الذاتية عن طريق استخدام الضمير المخاطب، فهو هنا ضمير يقود إلى مخاطبة النفس كشخص آخر، وينقلها خطوة خارج العزلة، والمخاطبة في هذا المقطع عبارة عن سؤال مشبع بالعاطفة.. يفترض ترتيب مكونات الغابة، وجمعها مع بعضها كي تناسب أحد الأحلام الجوهرية بالحياة الرحبة، وتكون نبرته المؤلمة كما يلي:

          ( أيدخل

            أم يقعد في الظل؟ )

سنجد جوابا افتراضيا في عبارة ( خطوة أخرى ) التي هي عنوان المقطع اللاحق، لكن حقيقة العبارة سيوضحها مضمون المقطع نفسه، فالخطوة الأخرى هي حلم يقظة بنقل الرغبة إلى مستوى أعلى، إنه يهيج الروح ويجهزها للحلم الحزين، فبعد أن تحركت بين اليقظة والمنام انتهت إلى جهل المكان في مستوى المكان الجديد، وهذه هي مشكلة الزمان والمكان في أحلام اليقظة فلا أحد يناسب ضخامة الرغبة:

         ( قلت لنفسي

          سأرى إن كنت بطرفة عين أطلع

               أين أكون؟ )

يكشف مقطع ( ملك الغاب ) عن الجواب الأكثر واقعية، فالمكان المناسب هو الغابة، ولكن المشكلة تكمن في الهوة، لذلك سيعاد استخدام ضمير المخاطب لدعم روح الجماعية ضد الوحدة، وبالتالي لإشعار هذه الجماعية بالرغبة في مفاجأة الأنثى، دةن سابق معرفة، هذه هي روحية السفر القائمة على التعارف التلقائي بين الناس:

          ( خذ تلك الحسناء السوداء القروية

            فاجئها..

               وارقص حتى الهذيان )

نلاحظ هنا أن الحركة ( الرقص ) تحل محل اللغة في التفاهم لتدعيم عنصر المفاجأة وخلع التركة، ثم يأتي دور اللغة بعد ذلك، معبرا عنه بمفردة ( تعال ) التي هي عنوان المقطع التالي، إن لهذه المفردة معنى المشاركة ومعنى التشجيع والتقدم خطوة من أجل كسر طوق الوحدة أمام حياة حقيقية غير مسؤولة عن التركة، مما يستوجب فهم الموقع والمسؤولية، ويستجاب لهذه الدعوة بواسطة مفردة دالة هي ( بداية ) ولكنها بداية من نوع آخر .. إن الوعي هنا يرتب العلاقات بكل ثقله، ويفككها إلى عناصرها المؤلمة فيتم عقد العلاقات وخسارتها .. إن العي يلعب لعبته في تقويض عناصر المصادفة، فيستفيد من المعنى الظاهري للسفر الذي يقوم على عقد علاقات مباشرة في القطارات والباصات والبواخر، ثم نسيانها بعد حين، ولكنه يفهم هذا الدرس بحكم رقابة صارمة، فيطلق تعميقا قاسيا:

        ( فاكتب يا هذا في سفر الريح

          لماذا الخنجر يكبر

             والوردة تسحق تحت العجلات؟ )

إن خير زمان للوحدة والحزن هو الليل، فلا غرو إذن من أن معد الجبوري قد اختار للمقطع التالي عبارة ( ليل آخر ) واختار الأطفال ( عبد الله وفاطمة على سبيل المثال ) ملاذا ودفئا.. أما في ( خذوا الحكمة عن الغابة ) فثمة غابات بشرية، والأمل معقود بأن يحتفظ الانسان بإنسانيته وجماعيته، وإلا شبّ حريق آخر مماثل لحريق الغابة التي أخذ فيها كل حيوان شكل ودور سواه.. يكشف هذا المقطع عن وجود عدم تكافؤ واستغلال، لذلك ينبثق السؤال في المقطع اللاحق، بعد استخدام شخصية الدرويش ( التي ترمز إلى البحث عن الحقيقة والخلاص ).. إن الدرويش يتجول في الأسواق بحثا عن الصورة الحقيقية لأفريقيا، وباختفائه يظهر السؤال: أين تذهب جهود الباحثين عن الحقيقة؟إن تعميق هذه المسألة يستلزم تفاصيل إضافية، وهكذا يخصص مقطع ( حكاية ) للكشف عن وجه الاستعمار ولاستغلال وتاريخه في

النهب، ثم يخصص مقطع ( حلم ) للوقوف إلى جانب الغد ممثلا بطفل يصرخ في وجه أفعى..

تحين أخيرا ساعة العودة ومغادرة أفريقيا في مقطعي (  عبور – والخروج من بطن الحوت ) ويصبح الحديث متعلقا بالاستفادة والإفادة، أي بالتواصل الجوهري:

      ( لكني مازلت أحاول

        أن أدخل أفريقيا

          أن أمنحها شيئا يبقى )

وفي ( شبيلّي ) ثمة طقس الرقص الدموي لدر الفيضان، ثمة الكلمة الصومالية ( استنكا ).. إن هذه القصيدة ذات تماس مباشر مع مقطع ( الخروج من بطن الحوت ) الذي يسبقها مباشرة في السياق، فهنا أيضا:

        

 ( إن لم يختاط الدم بالماء

          فلا مرب من زمن

            فيه تشح النعمى

                 وتضيع البركة )

وجملة ( تضيع البركة ) لن تقود إلى معنى الخسارة عبر التناقص بل عبر الوفرة أو بالأحرى الفيضان، إننا إزاء نوح جديد هذه المرة .. نوح أفريقي، وستكون أطراف العلاقة معقودة بين قارة وقارة، وبين ذات ونهر، لذلك فإن الذات ستسأل النهر عما إذا كان يصغي لخرير دمها، فطعم التهديد بالفناء واحد ، لا محالة ولا جدوى من الأسئلة.

في قصيدة ( موسم آخر لطائر الغابة ) نكتشف أن ثمة فراقا سابقا، وإن ثمة عودة تعلن عن نفسها:

      ( أعود الآن للغابات

          للبحر المحيط أعود )

لقد تم التأقلم مع معدن أفريقيا ولكن هذه العودة مؤقتة وحتم فيها الفراق الذي يلبس الذات ثياب أفريقيا حتى داخل منزلها القديم، ويدخلها في تجربة مع الأنثى الأفريقية على أي مستوى كان من الحلم والتداعي، ولهذا تنقسم الجمل بين ضمير المتكلم والمخاطب، لأن النظر يتم من الداخل والخارج وهذا هو فعل من أفعال السفر المثيرة.. إن سحر أفريقيا ينتشر والنطق يتم بطقس الغابات والتعاويذ الأفريقية، حيث ثمة الآمر والسلطان:

      ( فاطلع من الحذرِ،

           اختطف طبل القبيلة

             وادخل الدغل الكثيف )

من الآن فصاعدا ستجثم الغابة، فإن القصيدة التالية ( هواجس ليلية ) تتعامل مع انعكاس الغابة عشية الوداع الثقيل، الذي هو الوداع الأخير .. إننا في لحظة خاتمة السفر، المخاطبة تتزيا بضمير المتكلم عبر التقطيع، ويرمز التقطيع ذاته إلى مرور الذكريات والصور وتلاحقها أمام شرفة القطار العائد.. هنا يخفت رمز السفر الذي كان يعمل عمل عدسة لامّة من أجل وحدة الذات وصفائها وجماعيتها الايجابية .. إنها الآن تتحسر وتنوء بثقل التركة المستمرة، ولكنها امتلكت القدرة على صياغة الحلم

     ( أنا الآن أحلم

       لكن شيئا سيبقى يثرثر في الرأس )

هذه القصيدة مشتتة بعض الشيء رغم جماليتها وحسن بنائها، فهي لا تراعي تسلسل الزمان في استيعاب التجربة، وربما يعود السبب إلى كتابتها في فترات متباعدة، وربما أن ذلك متعمد للدلالة على العواطف المتضاربة ما بعد السفر، فأكثر مقاطعها مخصصة لمعنى العودة إلى أفريقيا ووقع ذلك على الذات.. إنها تأخذ رأسها وتنفضه كالقميص المبلل، وتتعرض لكابوس ليلي ( يصيح تعال.. تعال ) وتدخل في لحظة مغادرة قاسية يركض فيها قطار لا يكف عن الجري.

القصائد اللاحقة مخصصة لزمن ما بعد العودة من تجربة السفر أيضا.. إنها تتجنب ذكرها ولكنها تبث رائحتها بصورة غير مباشرة وتطرح نماذج انسانية عديدة، لها صلات متعددة ( الأم، الصعلوك، السندباد، الصوفي، الصديق، السيد ) إضافة إلى الصلة الداخلية الجوهرية في هذه القصائد وهي الصلة مع الأنثى.. في ( تلك الشجرة البعيدة ) هناك الأم، وفي ( فضاء للرغبة ) هناك أشباه أو بدائل حياتية هي: الصعلوك، والسندباد، والصوفي – بعوالم ارتحالهم وانفصالهم وأحلامهم وانفلاتهم من أسار سكونية المحيط، وهنا تظهر الأنثى التي كان السفر كله فاصلة بين النفصال عنها ( الأم ) والعثور عليها شريكة حياة أو مشروع حب..

السفر إذن كان فاصلة بين رمزين، أي بين التحامين، أولهما طبيعي، وثانيما اختياري متمنى حيوي:

     ( طوقني حضورك المدهش )

تبدأ الأنثى بحضورها كمفاجأة- البيت السابق- ثم تنكسر حدة المفاجأة وتأثيرها على بنيان الذات، ولذا تتسلح بقدراتها:

     ( فهيئي إذن

        لأحلامي جزيرة

          لوجهي أفقا

       وبالتفجر املئي مكاني )

إن النداء لم يدهش الأنثى، ربما لأن استجابتها غير متكافئة، فثمة فارق نوعي كبير، ثمة ألم دفين دائم:

     ( هذه التي أناديها

         ولا تجفل

      أدعوها

           ولا ترفض )

مع ذلك فإن حضورها امتلاء:

     ( وامتلأت بك الآن )

إذ أن الأنثى يعبر عنها على مستويين هما الواقع والأمنية، ثم إن حضورها هو إيمان بعملية الخلق والتفاعل، وهو أمل أيضا:

      ( سأهيِّء كاسيَ

        قبل امتلاء العناقيد )

وفي قصيدة السيد تبشر الذات بجماعية إيجابية، ويصل التفاؤل إلى حده الأقصى، حينما يندمج رمز الأرض بالأنثى وهي تتصل بهذا الانسان الواعي ذي الاختيار، فيقرر منحها ذرية على الصورة التالية:

      ( ولدا حين يواجهها يركع

        حين يغادرها يرجع

        حين يقاطعها يُقطع )

هذا هو الأمل يقوم من جديد في عملية مد الجسور وردم التصدعات.

أما قصيدة ( مراجعات أخرى ) فتعيدنا إلى لحظة البداية نفسها.. إنه عالم ما بعد السفر مرة أخرى، واللحظة مشحونة بالطاقة والرغبة، لأنها مملوءة بالمشاهدة والمعايشة وسبر الأغوار والتسلح بالقدرة على الاختيار الصعب رغم الألم، فأولا على الإنسان أن يعترف بقدرته وطاقته واختياره داخل شرنقة الوحدة قبل أن يمتلك مشروعية كسر العزلة:

        

         ( هكذا

         ولتكن حين تختالا لحظة صفوِكَ،

              صعبا ومنفردا )

ويكون التريث أخيرا جهدا خاصا بنهاية المشوار، فعليك أولا أن ترى ثم تدعو بعد ذلك.. ( قصيدة أرى ثم أدعو ) وهذه هي دقة جديدة على باب السفر، أو باب المستقبل.

وفي هذا العالم الكبير وقع معد الجبوري في شراك إغراءات التنوع ، وأبقى أسئلة كثيرة من دون إجابات..

نقلنا معه عبر مشاهداته العديدة بأمانة وصدق وانتماء أصيل ، وعرفنا على مجاهيل جديدة مستخدما مفردات تتلاءم تماما مع أجواء الحالات التي يطرحها، لكنه اكتفى بهذه النقرة.

أخيرا أسمي مع نفسي رمز السفر برمز الإشارة الدائمة إلى المستقبل حتى لو تم بناؤه باستخدام الماضي والتجربة المنفلتة والذكريات، فمفردة السفر تلهبنا بحمى الحركة والرغبة في تجديد الحياة وكسر أسار الجمود، وربما لهذا السبب استخدم معد الجبوري هذه المفردة ذات الزخم العاطفي المتدفق في سياق تجربته كي يتحرر ويتفرغ لطرح مضامينه الفكرية الواعية, وينقلنا عبر عوالم حلوة مفتوحة عذراء أحيانا ومتشابكة منتهكة في أحيان أخرى، ربما لأنه استلهم صور عالم السفر استلهاما طوعيا مباشرا بالقياس إلى جملة الرموز والإشارات التي في حوزته، ولم يلعب لعبته الأساسية في التوظيف إلا عبر لغة نظيفة سليمة شاعرية ذات جرس وإيقاع متزنين.. ولكن بقيت هناك فاصلة بيننا وبين ألق الرمز الجوهري الباطني وفاعليته في التجربة.

نحن أمام تجربة جادة نكشف عنها القصائد ويكفينا أن نأخذ منها هذا الأفق المفتح السلس , النافذة المشرعة الرحبة عل عالم يتنفس حقا.

معد الجبوري ينقر على الحلم والرغبة بواسطة يقين زوده به الوعي وعمقته الحياة التي يكشف عن تفاصيلها باستمرار لكنه يقطع رحلته في إحدى مراحل الطريق مكتفيا بخزينه من المعرفة دون حدود التجاوز,, وهذه هي مشكلته بنظري، إن صح مشواري معه.

 

***

( آدابا )

مسرحية تعيد الاعتبار للشعر            

                                               أمجد محمد سعيد

 

( جريد الراية القطرية ) الاثنين  24/3/2008

       يعد الشاعر العراقي معد الجبوري، واحداً من ألمع الشعراء العراقيين، الذين استطاعوا أن يقدموا نصوصاً ناضجة في ميدان المسرح الشعري العربي . فقد كتب العديد من المسرحيات الشعرية، التي استوحي أفكارها، من الموروث الحضاري والتاريخي للعراق القديم، ومنها مسرحية آدابا، شموكين، السيف والطبل، وغيرها.

وقد نالت مسرحيته (آدابا) شهرة واسعة، واستحساناً كبيرا، ونشرتها مجلة الأقلام العراقية، وصدرت في كتاب عن المركز الثقافي الاجتماعي بجامعة الموصل، وترجمها إلي اللغة الأسبانية، الدكتور محمود صبح، ونشرت في مدريد، كما ترجمت إلي اللغة الكردية والإيطالية، وقدمت أكثر من خمس عشرة مرة، علي مسارح بغداد والمحافظات العراقية، ذلك أنها إضافة إلي كونها تستجيب لتقنيات المسرح، والمسرح الشعري خاصة، فإنها كذلك تعبر عن مجموعة أفكار إنسانية تظل حية في كل زمان ومكان.

تناول المؤلف الشاعر معد الجبوري، إسطورة بابلية قديمة، ملخصها : أنه علي بوابة الخليج، في جنوب العراق القديم . قام (الإنسان ) آدابا، مخلوق الآلهة، صياد السمك، بكسر أجنحة الريح الجنوبية، وانحاز إلي الطبقات الكادحة، من المذلين والمهانين والفقراء والعبيد، حينما دار الصراع العنيف بينهم، وبين الكهنة والإقطاعيين، وأصحاب المصالح والنفوذ المادي والمعنوي .

وقد حقق آدابا نصراً عظيماً بعمله هذا، مما أغضب (أنليل) إله العاصفة، الذي يطرح الأمر أمام كبير الآلهة (آنو)، وأمام مجمع الآلهة، الذين يقلقون من قوة آدابا، ونفوذه، وقيادته للناس . فيعمد (آنو) إلي محاولة كسبه وشرائه، ويدله علي طريقة، لكي يصبح هو الآخر الها، وينضم إلي مجمع الآلهة، وبذلك يتحول من كونه بشراً، يساند ثورة الفقراء، إلي إله يساند تخطيط الآلهة، في إبقاء سيطرتهم علي البشرية . ولكن آدابا يرفض ذلك، مفضلاً التضحية بنفسه في سبيل ثورة الإنسان، وانتصاره علي جلاديه . وحين يختفي آدابا من أحداث الفعل المسرحي في نهاية المسرحية، نجد أن وجوده الفردي المادي، قد تحول إلي وجود جماعي منظم، يحقق الانتصار علي الكهنة والإقطاعيين.

يدور الصراع في المسرحية، باتجاهات ومستويات أساسية ثلاثة، فهناك الصراع بين الآلهة أنفسهم، صراع الهيمنة والسيطرة وتحقيق النفوذ، عبر ممثليهم الذين يتحدثون باسمهم، وهناك الصراع بين الآلهة والبشر، حين تخشي الآلهة من محاولات زحزحتها عن أماكنها، والتجاوز علي أمجادها ومكاسبها، وهناك الصراع بين البشر أنفسهم، بين الكاهن والعبيد، وبين السيد والعبيد، فضلاً عن الصراع الذي يحققه آدابا، حين يجابه العبيد والكادحين مستنفرا اياهم ، للتخلص من سلبيتهم وضعفهم وفرقتهم . وتتوحد محاور الصراع جميعها، لتدور بين جناح الخير، وبين جناح الشر .

يبدأ الفصل الأول بكلام الراوي، الذي يشير ويومئ إلي التوجه العام، الذي ستسير فيه الأحداث وطبيعتها، وسنتعرف علي المباديء الأساسية، أو الانحيازات الأولي للعمل، كما سنتعرف علي الفرق بين الفعل السلبي، والفعل الإيجابي في حركة الناس، حتي أولئك النظارة الجالسين في المسرح:

الآن

وفي هذي الظلمة

تتوحد كل الأشياء

أنتم

وترقبكم

ومقاعدكم

والجدران….

…….

ولذا قد نتفق الآن

أن هنا في هذي القاعة

يوجد من يتعري أو يتخفي

لنقل قد يولد بينكم الساعة

طفل

أو تولد عنقاء …..

وتتألف الأجزاء التالية من الفصل الأول، من مشاهد عديدة، تقدم لنا صورا من العسف والاضطهاد، الذي يلاقيه أفراد المجموعة، الذين يمثلون شرائح من الناس، فلكل واحد منهم همومه التي يعاني منها، بأشكال تختلف عن الأشكال التي يعانيها الآخر، ولكنها تجتمع لتكون صورة شاملة، عن عالم الظلم والعبودية، كما أن اللازمة المقتبسة من الكتاب المقدس، والتي يرددها أفراد المجموعة، وهي (الكل باطل وقبض ريح) تعطي صورة عن ردود الفعل السلبية، لهؤلاء الذين يكتفون بالتساؤلات العقيمة، والبكاء، ولايقدمون علي أي فعل بإتجاه الخلاص، ولذلك فإن آدابا يسخر منهم، ويعطف عليهم، بل هو الذي يقدم لهم في البداية الطعام والثياب، وكذلك نموذج القوة الذاتية المعنوية التي يتمتع بها حين يقول:

وقفت في العراء

صرخت

آنو  أيها القابع في مغاور السماء

البحر لي

مادامت الشباك في يدي

فاحكم بما تشاء

لابد أن أكون سيد البحار

هذه القوة الذاتية، هي القدرة علي التحدي، واتخاذ القرار والإيمان، بحتمية الانتصار، بفعل العمل التحريضي، الذي يقوم به آدابا تجاه المجموعة:

وغداً قبل بزوغ الفجر

سنكون معاً في البحر

ثم يبرز تحدي المجموعة، بشكل واضح، ضد الكاهن، حينما تنمو في دواخلهم عوامل الثقة والوعي والتنظيم والوحدة الجماعية، ويدرك الكاهن، دور آدابا في هذا التحول النوعي، ولذلك يطلب من الآلهة، أن تقتل آدابا، حيث يعتقد أنه بمجرد قتله ستموت الفكرة الجديدة، ومن ثم الفعل الجديد، وتنتهي المجموعة إلي الظل من جديد، وتعود إلي العبودية، لذلك فإن الكاهن يوجه همه لقتل الروح المتحدية الجديدة، المتمثلة في، آدابا – الفعل الجماعي، وليس الفعل الفردي الأسطوري . وحين تعي المجموعة دورها، فإنها تحرضه علي تكسير أجنحة الريح، وينجح في ذلك، كدليل علي انتصار إرادة الخير الجماعية، ومن خلال التفاعل الحي، بين نماذج الإرادات، الناتجة عن زيادة وعي الطبقات المسحوقة. في الفصل الثاني، يظهر مجتمع الآلهة الذي يترأسه آنو،رب الأرباب في الموروث الرافديني القديم . ويناقش المجمع قضية هذا الإنسان (آدابا) الذي تطاول علي الآلهة وكسر أجنحة الريح، وأغاظ الأله إنليل، وبحكمة آنو التي لا يعرفها أحد، يقترح أن يجعله إلهاً ويرفض قتله:

( آدابا أول إنسان يطأ الأرض

فهل نتركه يمتد ويمتد

فتمتلئ الأرض به

حتي يصبح آدابا كل الناس)

ولاتخفي هنا الوشيجة، التي تربط بين اسم آدابا، واسم آدم، أبي البشر، وكذلك فيما يشير إليه المؤلف، مقتبساً من الأسطورة البابلية، بأن آدابا أول إنسان يطأ الأرض.

إن محاولة آنو في جعل آدابا إلهاً، هي عزله عن ابناء جلدته وجنسه ، ولذلك فهو يطلب من آدابا، أن يأكل ويشرب من طعام وشراب خاص، يقدم إليه، هو طعام وشراب الآلهة، ولكن آدابا يرفض ذلك، أولاً بسبب خديعة الأله (إنكي) الذي يوحي إليه بأن في الطعام والشراب سماً، وثانياً لأن آدابا نفسه، يرفض التخلي عن إنتمائه، ودوره، ويفضل ان يبقي بشراً كي تتحقق إنسانيته.

في الفصل الثالث، لانجد أثراً لآدابا، وأياً مايكون المصير، الذي انتهي إليه مادياً، فإننا نجد آثاره وبصمات أصابعه، في سيرورة الأحداث، وتطورها، حيث يتحول من الوجود المادي، إلي الفعل المنجز نفسه، ذلك الذي تقوم به المجموعة، وتنتصر، وتنجح في قتل رمزي الاضطهاد، الكاهن والسيد . ان آدابا يتحول من بطل فرد، إلي نسيج اجتماعي، وهوية، وفكرة للنضال، ضد المستغلين، الذين يتسمون بأسماء شتي، ولكن يبقون ذوي أهداف واحدة، وهكذا نجد لآدابا حضوراً واضحاً أثناء محاكمة الكاهن، فالضربة القاتلة التي توجه إلي إليه، تصحبها الصرخة التالية:

( هاك إذن ضربة آدابا)

بعد أن كان كل واحد من أفراد المجموعة، يردد بضعف وخنوع:

( كنت مع الآلاف

نخطف من بيوتنا

نساق كالخراف

نمرغ الجباه بالأوحال

نقتلع الصخر من الجبال

نشيد المعابد المقدسة

نشيد القصور

للمتكئين وحدهم

على كنوز الذهب الأحمر

واللآل)

لقد نجح الشاعر معد الجبوري، في توظيف الأسطورة البابلية القديمة، في عمل فني مسرحي معاصر، قدم إجابات علي تساؤلات مركزية، في حياة الإنسان، واستطاع بتقنية فنية خبيرة، وبشعرية متوازنة أن يستخلص من ثنايا الأسطورة العراقية، التي تعود إلي أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، حكمة وعبرة ومأثرة، أسقطها ببراعة علي زمننا الحاضر، دون أن يخل ذلك بمفهوم الزمن المسرحي، والزمن العام، والزمن القادم، الذي تتوجه إليه العظة والنتيجة. لقد اكتفت المسرحية بنقطة مركزية، تصاعدت إلي حد الانفجار، دون إقحام أحداث وعلاقات متشابكة، تبعد المسرحية عن غرضها الأساسي. إن آدابا ليس فقط هو إنسان الأسطورة، أو إنسان المسرحية، ولكنه كل إنسان، في أي زمان ومكان، يحس بالإضطهاد والظلم، فيثور علي واقعه، وعلي جلاديه، وعلي قيوده.

واستطاع معد الجبوري، أن يستخدم لغة مسرحية مناسبة، دون أن تستدرجه إلي إنشائيات لا ضرورة لها، ودون أن يستغرقه إسهاب شعري، ما في زيادات لا مبرر لها، والتي غالباً ما يقع في حبائلها الشعراء، حيث تتحول مقاطع المسرحية الشعرية عندهم، من حوار درامي بين الشخوص، إلي قصائد عديدة، تلصق إحداها بالأخرى . كما كانت لغته واضحة ومفهومة، ومتطابقة مع البعد الثقافي، للشخصية المتحدثة ذاتها، ومع الإطار الاجتماعي العام الذي يحيط بعموم الحدث والشخصيات والزمان والمكان.

***

ظاهرة التلاشي

                      علاء الدين رمضان السيد

 

من كتابه ( ظواهر فنية في لغة الشعر ص 105 ) منشورات اتحاد الكتاب العرب 1996

 

الفصل الرابع

التلاشي

 

ظاهرة التلاشي هي الوجه العكسي للتراكم اللفظي الذي أشرنا إليه في الفصل السابق، أما الذي نعنيه بالتلاشي – كظاهرة فنية – في الجذر أو في الصياغة أو في الفكرة – لكنه بعد ذلك يتخلص من تلك المتراكمات تدريجيا ليعود مرة أخرى إلى البسيط الذي منه بدأ، أو ربما ليتلاشى كليّة.

ومن الشعراء الذين استخدموا التلاشي كظاهرة جمالية تطرأ على التشكيل اللغوي للعمل الشعري الشاعر ( معد الجبوري ) الذي يقول: *

          ( هل تُقِرُّ ليلى بِمُغامَراتِيَ الأخرى،

          فأدَّعِي بِها وَصْلاً،

               وأدَّعي وصولاً ؟ )

        هذه الشَّهْوَةُ لا تنضجُ تحتَ الثلجِ،

        ( هل تُقِرُّ ليلى ؟ … )

        هذهِ الشَّهْوَةُ لا تطلعُ من عُنْقِ زُجاجَةٍ،

                           وتخبو ،

        ( هل تُقِرُّ ؟ … )

        هذهِ الشَّهْوَةُ لا تَفنى،

                      ولا تُكْبَحُ،

        ( هلْ ؟ … )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * وردة للسفر  ـ  معد الجبوري –  وزارة الثقافة والإعلام – بغداد 1981 – ص 110 

 

***

( معد الجبوري )

بين الإشراق الصوفي والإرباك الحضاري

                            د.هلا الحلبي

          ( الموقف الأدبي )  العدد  380 كانون الأول 2002

        لَوْ سلّمنا بأنَّ الإبداع كشفٌ لمضامينَ مطمورةٍ، ولعالمٍ خفيٍّ بحاجةٍ دائمةٍ إلى مزيدٍ من الكشف، وأنّه انطلاقُ من عقالِ الكبتِ نحو فضاءِ الحرية، لوجدْنا أنَّ الإبداعَ وعشقَ الحريةِ صنوان؛ والإبداعُ الشعري يتجلى في إعادة ترتيب الكلمات وتقديمها في سباقٍ جديدٍ صاعق. وما دافعُنا نحو الابتعاد عن العبارات المعلوكة والصور الجاهزة، سوى تجسيدٍ لعشق الحريّة.‏

أوليسَ كلُّ غريبٍ، من إنسانٍ أو لفظٍ أو شيءٍ أو حركةٍ، هو مدعاةٌ الاستغراب ومثيرُ الإعجاب؟ ثم أوليسَ الفاجعُ والمدهشُ هما صلبَ نظريةِ الفنِ الأرسطيّة؟1 وبقدرِ اقترابِ القصيدةِ وملامسِتها للفاجعِ والمدهشِ، تكونُ قد بلغَت مرامي الفنِ ولامَسَت الإبداعَ الفني.‏

وبقدر ما تكشفُ الكلماتُ عن وجهٍ جديدٍ من وجوهِها الكثيرة، يبلغ الشاعرُ شأنَ الإبداع، ويمتلكُ تقنيَّة الإلهامِ، ويصلُ ناصيةَ التخييل.‏

وهذا النقد يسعى إلى إضاءة “الشعريّ” عند الشاعر “معد الجبوري” في ديوانه “كتاب المكابدات”2، وهو يرقى إلى جعل وجوده شجرةً وارفةً في غابةِ الأصواتِ، أو إلى شراعِ سندبادِ، تقلع بالقارئ مطلّةً به على بعض خفايا الذاتِ، وتحيطُ اللثامَ عن “الوحشيّ” الذي يموجُ في غابٍ النفس وأدغالها.‏

هذا الوحشيُّ، الحاملُ تقنيَّة التخيّلِ هو هدفُنا، نسعى إلى إظهارهِ، محاولين الكشفَ عن بصمات الفنّ التي تميّزُ الشاعرَ عن سواه، ولعلّه ساحُ الشاعرِ الخاص، فيه يتوقُ إلى المجهول، أو بالحريِّ إلى الذاتِ البشريّة “الأنا”، الجديدةِ/ القديمة على السواء. إليها سعى الصوفيّ، فكانت هاجسَه، ارتاح أن يصفها بأنها “أرواح منفوخة في أشباح3. ولقد هجس “الجبوري” في مكابداته بها، وإن لم يذهبْ مذهبَ المتصوفةِ في شطحاتِهم، إلاَّ أنّه ذو منحى روحيٍ، فيه تكمنُ روحُ الثورةِ المكابِدةِ بغية تحريرِ الذاتِ حتى تصلَ بها، في بعضِ قصائده، مراتبَ الإشراق. ولم يكتفِ “الجبوريُّ” بمحاولةِ تحريرِ الذاتِ، وإماطةِ اللثامِ عن طيفِ الذات، بل سعى إلى تحريرِ الآخر، فتحريرُ الأنا منوطٌ عنده بتحريرِ الآخرِ، وإثباتُ الأنا منوطٌ أيضاً بإثباتِ الآخرِ، المغيَّبِ قَصْرَاً عنِ العالمِ، والمشدودِ، بحكمِ الواقعِ السياسيِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، إلى أحلامٍ لا تتجاوزُ مرتبةَ الرغباتِ، والمشدود أيضاً إلى اعتقادات “بائدةٍ”، وإرباكاتٍ حضارية، تكبّل تحرّكَهُ وتقيّد حريته ومسيرته نحو المستقبل.‏

هذه المسيرةُ التحرريةُ انعكسَتْ في بناءِ النصِّ الشعريِّ وبرزَت سماتُها في قصائد: “كتابَ المكابدات”، فكان الالتزامُ بالمسيرةِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ جنباً إلى جنبٍ مع الدعوةِ إلى الوعيِ والتحررِ عند الجبوريِّ، المحورَ الأولَ البارزَ، وموضع اهتمامنا الأولِ في دراستِنا الديوانَ.‏

أ-البناء الدرامي: بين الالتزام والتحرر

“معد الجبوري” مكابدٌ يقفُ عندَ عتباتِ الكونِ، يحاورُه في نبرةٍ موغلةٍ بالشفافيةِ، توحي برغبةٍ عارمةٍ في تجاوزِ الاغترابِ، اغترابِ الإنسانِ عن ذاتهِ وواقعِهِ، فلنعترفْ معه: ليسَتْ حياتُنا سوى سلسلةٍ من غيابٍ، وما الإنسانُ سوى كيانٍ مستهلِكٍ ومستهلَكٍ على السواء.‏

وقصائدُه، على نفَسِها المسرحيِّ، قصيرةٌ ومنفتحةٌ على احتمالاتٍ وتأويلاتٍ كثيرةٍ، وكأنَّها برقٌ لا يتكرَّرُ، وانبجاسٌ طافحٌ من أعماقِ الغربةِ، ولكنها تتنزلُ رحابُ الالتزامِ، تنّزلاً يلغي الانشطارَ الذي تعانيه الذات، بفعلِ أوضاعِها: الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسيّةِ، بالإضافةِ إلى ضياعِها الوجوديِّ. ولعلَّ هذا الانشطارُ هوَ الصدى المباشرُ للعصفِ الذي أصابَ الذاتَ العربيةَ، نتيجةَ وجودها في تيّارِ الدولِ الناميةِ، إن لم تَقُلْ النائمة، المسلوبةِ الحقوق أمامَ الماردِ السالبِ، المارد الغربيّ النهمِ، المستعِدِّ لابتلاعِ الشعوبِ المستضعَفة.‏

من هنا ونتيجةٌ لهذا الانشطارِ والإرباكِ الحضاريِّ، انبثقَتْ أسئلةٌ في حنايا الديوانِ، ممضّة وعاتيةٌ، انبثاقاً أضاءَ المسلماتِ المهترئةَ، وأبرزَ التمزّقَ الحَادَ في الواقعِ السائد.‏

فمتى نتساءَلُ؟ بل متى يلحُّ السؤالُ علينا حتى لا نستطيعَ منه فكاكاً؟ تردُ التساؤلاتُ عندما تبلغُ الذاتُ الشاعرةُ المراقبةُ، ذروةَ تمزقِها الحادِّ وتصلُ بضياعِها إلى جدارٍ مسدودٍ، فتلجأُ إلى التساؤلِ الإنكاريِّ، معبّرةُ عن مأساتِهَا الوجوديّةِ، شأنَ شاعرِنا الذي أفصحَ عن إحساسِهَ بالغربةِ والتشرّدِ:‏

“أعليَّ أنْ آوي إلى جسدي‏

وأسكن خطاي‏

لأصدَّ عني”4‏

إنَّه الطيفُ الباحثُ عن مأوى لروحِه وجسدِه، وعن مسكنٍ وسكينةٍ وأمانٍ، الباحثُ عمّن بصدّ الأعداء المنظورين والمخفيّين، فيحميه من شبحِ الزمن الراكضِ وراءَه، يقول:‏

“مَا هذا الناطورُ الوقحُ‏

الراكضُ خلفي؟”5‏

ولكن، أنّى له أنْ يهربَ، وهذاءاتُ الوجوديينَ تطاردُه وتقضُّ مضجَعه، وهو الوترُ المشدودْ بينَ: وجودٍ وانمحاءٍ، أو هوَ الروحُ الشبحيّةُ وفقَ المقولةِ الحلاجيّة: “كنتُ شتىً مقسماً، فصرتُ واحداً، تقسيمي أحدَّني وتوحيدي أفردني”6.‏

فهلَّ نعرفُ مفتاحَ الدخولِ لهذا العابرِ، وطيفُ الزمنِ يلاحقه ليلَ نهار، أو، هلْ نعرفُ كلمةَ السر للدخول، والإنسانُ غريبٌ عن نفسِه، بل هو “أغربُ الناسِ عن نفسه”7؟‏

وهو الوترُ المشدودُ بين صراعٍ الأضدادِ، يبحُ عن ملجأٍ، أو بالحريّ يبحثُ عن حريّتهِ، فيفكُ أسرَ هذا السجينِ المجهولِ، فينطلقُ من منفاهُ، ويهدم جدار الغربة الحاجب، ويؤمِّنُ التوازنَ بين الأنا الموجودةِ أو المقيمة والأنا الغرِّبةِ، يقول:‏

“أعليَّ أن أدنو إليّ‏

لكي أفرّ الآن مني؟!”8‏

فكيفَ يفرُّ من جسدهِ؟ وكيف يدنُو من نفسِه؟ يبدو أنَّه يفرُّ من ماديَّتِهِ ليدنوْ من روحِه، يهربُ من نشأتِه الطبيعيّةِ إلى نشأتهِ الروحيَّةِ التَّي نادى بها المتصوفةُ9، هرباً شجاعاً، فيه الكثيرُ من الالتزامِ بقضايا العصر، إنه يفرُّ من ذاتهِ ليبحث عن الحقيقةِ فيها، وهو لا يكتفي بنقلِ المشاعرِ والوجدانياتِ المسطّحةِ على طريقةِ الرومنسيين، بل يتحركُ في فلكٍ أكثرً اتساعاً، راصداً مأساتَه الوجوديةَ، ومؤسساً ذاتاً فاعلّةً، وباحثاً عن الوعيِ المكثّفِ الذي يسمو بالإنسانِ إلى أوج إنسانيتهِ، فتتحرّر الذاتُ، ولا تهدأُ إلا عند نقاطِ الاستفهامِ والتعجّبِ، في بناء شعريّ صادمِ، وتتحولُ الأنا الشاعرةُ المقيّدةُ، إلى رفاتٍ من رؤيا طليقةٍ ويقول:‏

“طليقٌ كالمترو في آخرِ ساعاتِ الليلْ‏

مسكونٌ بالجوعِ الوحشيّ‏

يحيا في أقبية الأحلام”10‏

هنا تنطلقُ الروحُ مرّةً، وتنفلتُ من إناءِ الجسدِ ساميةً نحو مراتبِ الإشراقِ، وتصبح نقيّةً بالحقيقةِ، مالكة خطوّها ومستقبَلها، مثلما دعا إليها الفرعونيّ القديمُ”11:‏

هدأَ العصفُ‏

جسمي يغادرُ قلعتَه الحجريّة”12‏

بهذا الهدوءِ تعلن الروحُ انتصارَها، مأخوذةً بالعصفِ؛ بدوارِ اللانهائيِّ، ويغادرُ الجسدُ قلعتَه الحجريَّةَ، تدشيناً لمملكةِ الروحِ المشرقةِ، يقولُ:‏

“لا بدَّ من وقتٍ‏

يرجُّ البحرُ فيَّ‏

أنا الذي أَطلعتُ وعدَ الموجِ‏

في حجرٍ‏

وسقتُ البرقَ للإزميلِ‏

كيف تشابكَتْ من حولي الأشناتُ، كيف البرقُ يحرقُ‏

من يدي؟”13‏

إنهُ الحلمُ، أو طابعُ الحلم الذي تفيقُ منه، فيفاجئك تحولُ العالمِ ورحيلُ الأشياءِ، وقدرةٌ على امتلاكِ الكونِ برفّةِ هدبٍ، إنها قدرةُ بلوغِ دائرةِ الإشراقِ الصوفيّةِ، شأنَ النفّري، في قوله14. وقال لي، أُقعدْ في ثقبِ الإِبرةِ ولا تبرحْ، وإذا دخل الخيطُ في الإبرةِ فلا تمسكْه، وإذا خرَجَ فلا تمدّه، وافرحْ فإني لا أحب إلاّ الفرحان”(14) ويبدو أنَّ الشاعرَ، هو بانتظارِ هذا الفرحِ أو بالحريِّ، هو بانتظارِ المطرِ، الغيثِ الذي يقلبُ الأوضاعَ، ليقفزَ من نافذةِ سجنِه، نحو الهواءِ الطلْقِ، نحو فضاءِ الحريّةِ، مفلتاً من ثعبانِ الخوفِ، محاولاً رؤيةِ الأمورِ من منظورٍ مختلفٍ وجديدٍ، فيقطفُ من ثمارِ الغيبوبةِ، وكأنَّه الرائي الأولُ، ويبتكُر الخطواتِ الاستكشافيةَ الأولى، محققاً هاجسَ الريادة:‏

“فأدخلُ‏

وأفترسُ اللحظاتِ، أبتكرُ الخطواتِ الأولى”15‏

والبناءُ الدراميُّ في قصائدِ “الجبوري”، يتجسّدُ منذُ بدايةِ الديوانِ، في القصيدةِ الأولى منه، ويلامسُ الرؤيا المحرّرةَ التي تهدِّدُ بإيقاظِ المجهولِ، الفضيحةِ، وكأنّ في أعماقِنَا، تخوّفاً مهولاً من اختراقِ الصمتِ. فكيفَ الخروجُ من جنّةِ الصّمتِ إلى جحيمِ الكلامِ؟. يقول:‏

“ها أنذا أشتري بجنّةِ الصمتِ جحيمَ الكلامْ”16‏

إنه شاعرُ الثورةِ والإشراقِ، مكابداتُه قصائدُ ذاتُ أبعادٍ جماليّةٍ تستندُ إلى طاقاتِ الكلماتِ وعلاقتِها وحركتِها، لنحيطَ بمسيرةِ الشاعرِ وإشراقهِ، مع النفاذِ إلى عمقِ التجربةِ الثائرةِ على الواقعِ من غيرِ سقوطٍ في الرتابة أو التكرار. والقانونُ السائدُ في ديوانِ المكابدات؟ بناءُ القصيدةِ الذي يشدُّ مفاصلَ النصِ، ويجمعُ الالتزامَ الثوريّ بالإشراقِ الداخليِّ جمعَ ألفةٍ وانسجامٍ.‏

ب- الجبوريُّ بين الإشراق والثورة:‏

الشاعرُ رومانسيٌ بطبعهِ، ولكنّ ماديَّة الواقعِ هي العلمُ الطاغي والظاهرُ أمام العيانِ، والشاعر يريد أن يحقّق البراءة شعراً، ولكنَّه مشدود إلى جرمه الأرضيّ، إلى جسديّته الفانية التي تلحّ عليه بمتطلباتها.‏

ضمن هذه الازدواجية، كمن العالَمُ الشعريُّ، قديماً وحديثاً، وإن اختلفَتْ بعضُ المقاييسِ الشعريّةِ بين زمنٍ وآخر.. فالشاعرُ يبحثُ عن الحقيقةِ في ذاتهِ والموجوداتِ بلوغاً المطلق. وهو مطالبٌ بألاَّ يكتفي بنقل المشاعر والوجدانيَّات المسطّحة، بل أن يتحرّك في فلكٍ أكثر اتساعاً، راصداً تحرّكاتِ الوجودِ، وذلك تأسيساً للذاتِ الفاعلةِ والباحثةِ عن الوعيِ المكثّفِ الذي يسمو بالإنسانِ إلى أوجِ إنسانيّتهِ.‏

بهذا المرور الضوئيِّ، يتمُّ للشاعرِ الرجوعُ إلى حالتِهِ الناريّةِ الأولى وبلوغُ دائرةِ الإشراقِ، فيتوهَّجُ، ويسمو بجبلِّتهِ الأرضيّةِ، ويصبحُ والبرقَ سواءً؛ يكشفُ عن الضوءِ الخفيِّ في عالمِ الرؤيا المتجدِّدِ، ويعيشُ حالَ توهَّجٍ مغيراً على الأنظمةِ، وملغياً حالَ الصراعِ بين الأنا والعالمِ، بين العامِ والفرديِّ حتى يدخلَ عالمَ الحقيقةِ المنشودِ، عالمَ السحرِ الكامنِ في الأشيَاءِ، شأنَ شاعرِنا الذي يبدو وكأنّه نقض الضوءَ ؟؟ العيانيَ والمجرّدَ في نفَسٍ طقسيٍّ:‏

“أتصغي لخريرِ دمي يا شجرَ البواب‏

أرواحُ الأسلافِ ترفرفُ حولَ الشطآن”17‏

وعلى وقعِ الخريرِ، خريرِ الروحِ في الجسد، يتوهّجُ الشاعرُ حزناً كونياً وصخباً ثائراً، معلناً نفسَه أميراً وملكاً على الموجودات:‏

“أنا أمير المطرِ الوحشيّ”18‏

وهكذا يحيا “الجبوري” وحشةَ المطرِ، أميراً في روحِ الوجودِ، في تلكَ القوةِ العمياءِ، فلا غرابةَ أن يشرقَ برقاً، ويتألَّقَ مطراً، وإن خالطَه شيءٌ من الضياعِ، فهو يقول:‏

“بدمي ألوذُ‏

لأيّ منحدر ستأخذني شياهي؟!”19‏

ويتابعُ شاعرُنا، مسيرةَ تمزيقِ القناعِ عن أسرارِ الأنا الخبيئةِ، في قصائدَ تتَّسمُ بالبساطةِ الفنيّةِ واللقطاتِ السريعةِ والنفَسِ القرآنيِّ، وكأنها صلاةٌ ابتهاليّةٌ في حضرةِ الأنا الأسيرةِ والآسرةِ على السواءِ، والواقعةِ بين فكيّ رحى:‏

“والضحى‏

كلُّ يومٍ يكفيّ هاتينِ‏

أنتشلُ القلبَ‏

من بينِ فكيّ رحى‏

.. أبصرُ روحيَ تطلعُ‏

من جسدي‏

وتطقّ أمامي‏

مثل فقاعة”20‏

فمكابداتُه اتجهَّت صوبَ ثراءِ الروحِ الدافئِ، لتسيرَ به، بطلاً متفوّقاً، يسعى في درب التعبيرِ بشجاعةٍ، مبدِّلاً في أسطحِ مرأياه بحيث تشتبكُ الصورُ، ويختلطُ الناظرُ بالمنظورِ في دوّامةٍ هذيانيّةٍ تذيبُ ما تكلّس من ظاهرٍ، وتُظهر الصورةَ نقيّةً في مرآةِ الشعرِ التي تعكس الحقيقة أينما كانَتْ، يقول:‏

“غابة” لا تُرى‏

كلما تهبطُ العتماتُ‏

تخضُّ دمي‏

وتصيحُ: تعالَ.. تعالْ”21‏

بهذا الصياحِ، يلمسُ الوحيُ روحَ الوجود، فالشاعرُ هو الباحثُ عن شيءٍ ما، أو عنْ صوتٍ ما، عن الكليِّ الجامعِ بين الأبدِ والأزلِ، يتطلعُ في كلِّ قصيدةٍ، أو لوحةٍ شعريّةٍ إلى العالمِ بحواسَّ مرهفةٍ، ورؤيةٍ جديدةٍ لاختراقِ أُفقِ السائدِ وتعميقِ جذورِ الفنِ في التربةِ الإنسانيةِ، والإفلاتِ من تبايناتِ الظاهرِ نحو معراجه الروحيّ، في دائرة الإشراق والتجلّي، يقول:‏

“في غابةِ الصمتِ،‏

وحيداً أصيحُ:‏

خطوي خطوُ قنفذٍ‏

وصرختي، قبضُ ريح..‏

يمرُّ عامٌ‏

وعامْ‏

والصدأْ الثقيلُ‏

فوقي ركامْ”22‏

فصوته صوتُ شعبٍ، وصرخاتُه صرخاتُ عصرٍ ملَّ واقعهَ وراح يتفلّتُ من حدودِ الممنوعِ نحو فضاءِ الحرية. إنه الثائرُ العاملُ على تحريرِ الإنسانيّةِ، رافضاً رد منطقيةَ الكآبةِ ومفضَّلاً ماديَّةَ الغضبِ في ثورةٍ طامحةٍ إلى تغييرِ العالمِ، يقول:‏

“هل يطلعُ جنيُّ الخدر الباردِ‏

من جسدي المسكونْ‏

فمي حطبٌ‏

ودمي رملٌ يتناثرُ،‏

بين الصحوةَ والإغماءْ..”23‏

وكأنه بتحوّله عن جسديّته الفانيةِ، لم ينسَ أفواهَ الجياعِ، فمكابداتُه تتجهُ صوبَ ثراءِ الروحِ الدافئ، من غيرِ اغترابٍ أو انفصالٍ عن الجماعةِ المعذَّبةِ بل كانَتْ مكابدتَه مجبولةً بمكابداتِها، ويقول:‏

“معبدَ العاجِ‏

يا معبدَ العاج،‏

أطلِقْ طيورَ دمي في فضائِكَ‏

خذْ شفتي،‏

وأَرِحْ لغتي‏

من فضاءِ الكلام”24‏

بهذا الانطلاق تنعتقُ الذاتُ من عقالِهَا وتتجهُ صوبَ تحريرِ الآخرِ وإقامةِ توازنٍ مع المجتمع. وإذا كانَت مأساةُ الضعيفِ، في الستاراتِ الوهمية التي تخفي حزن الواقع ومآسيه، وتبعده عن الأذهان، فإنّ الجبوريّ، لم يؤثرِ القناعةَ والرضا، بل اختارَ الثورةَ والرفضَ درباً، مفضِّلاً إزاحةً هذه الستاراتِ، يقول:‏

“أفعى تنفخُ حولَ الشجرة‏

ومن الكوخِ الصوماليِّ المتعبِ‏

يأتي طفلٌ،‏

يصرخُ في وجهِ الأفعى:‏

هذا حقلي،‏

ومِنَ العرقِ الأسودِ،‏

يطلعُ عنقودَ الموزْ..‏

يلمحُني الطفلُ‏

“أنا أيضاً جئتُ،‏

لأصرخَ في وجهِ الأفعى”‏

يتبعني،‏

أتبعُهُ‏

ومعاً نفتح درباً‏

في الحقل الواسعْ”25‏

بهذا الافتتاح، تنعتقُ الذاتُ، وتعلنُ رفضَ الانكفاءِ السلبيِّ، وتفرضُ سباقاً تصادميَّاً فاعلاً، برفضُ واقعَ الضعفِ، وبقدر توقِها إلى رفضِه يكون التغييرُ عظيماً، يقول:‏

“تحت سماءٍ من رمادٍ ودمٍ‏

أعدو‏

وحولي عنكبوتُ الجوعِ يلتفُّ‏

.. وها أنا‏ أظلُّ أكتوي بجمر الخلقِ،‏

لن أطوي كتابي،‏

تحت إبطي‏

أيُّها الرغيفُ”26‏

وكأنَّ القصيدةَ عند “معد الجبوري” تجسيدٌ للوحةِ المعاناة، معاناة الروحِ الواقعة بين فكّي الواقعِ الأليم، الذي يحاربُه بكل قواه، نراهُ رافعاً أمواجَ الكبتِ والجوعِ، خالعاً أثوابَ الاستسلامِ والخنوعِ، فيقتنصُ المسموحَ من براثنِ الممنوعِ، مُطلِقاً لصوتِهِ العنانَ، يقول:‏

“اِقْرأْ‏

والأرضُ رغيفٌ‏

يخطفُهُ لصٌ في ثوب صديقٍ‏

والجرحُ فضاءْ‏

اقرأْ‏

باسمِ الجوعِ المفترسِ الطافحِ‏

..والحزنِ، وما أعطى‏

والموتِ وما أبقى،‏

والأيامِ المثقلةِ الحبلى‏

لن تجني كفٌ ما تغرسُ‏

حتى تصنعَ أقفيةَ الغرباْ”27‏

ويبدو أنّ معداً قد خبرَ صداقةِ بعضِ الدولِ الأجنبيةِ التي لا تفتأُ تخطفُ لقمةَ العيشِ من فمِ الجياعِ، إرضاءً لجشِعها، فكيف الركونُ وخفاشُ الموتِ يطاردُ المظلومينَ، ووحشُ الجوعِ يفتكُ بهم؟ ثمّ، هل هذه المآسي هي مآسٍ حقيقيّة، نتلهّى بحضورَها، على الطريقة الأفلاطونيّة، بعد أن غادرَ المخرجونَ المسرحَ، فسكنَه الجوعُ والخوفُ؟ يقول:‏

“مشهدٌ وانتهى‏

من تُرى قطعَ المشهدَ الحلوَ‏

من أثّث البيتَ‏

بالجوعِ والخوفِ‏

هل غادَر المخرجون؟‏

سنبقى وراءَ الكواليسِ‏

مَنْ يلعبُ اليومَ أدوارَنا؟”28‏

ويبدو أنّ الشاعرَ يرفضُ أنْ يبقى مشاهِداً عادياً في الظلِّ، وراء الكواليس، لذلك نراه منهمِكَاً بالتقاط صورِ البؤس الإفريقيِّ، ومآسيهِ، وهو ليس كغيرهِ من السياح، فهو ثائرٌ، يريد أن يختطَّ، ولو شعراً لإفريقيا، لرئةِ العالمِ ومنجمِهِ الثمينِ، درباً ثورياً في حفلِ البؤسِ الشاسع، وكأنه نوحُ القرنِ الحادي والعشرين. يتساءلُ:‏

“أيولدُ نوحٌ آخر”29‏

وكأننا بانتظارِ طوفانٍ آخرَ ونوحاً آخرَ يخلّصُ البشرَ والوطنَ وإفريقيا على السواء. يقول:‏

“ما زلتُ أُحاولُ أنْ أدخلَ إفريقيا‏

أن أمنَحها شيئاً يبقى”30‏

ولعلَّ الشيءَ هنا، هو الكلماتُ الشاعرةُ التي تحملُ بذورَ الثورةِ، كما تحمل انطلاقاً في أفق الرؤيا، وتقمصاً لأبعادِ المأساة؛ فالشرقُ قفصٌ كبيرٌ، فكيفَ يزيحُ عن وجههِ قسماتِ الشرقيِ؟ وكيف يمحو حزن الشرق؟ وكيفَ يطلقُ صوتَ الحريةِ الثائرةِ، وهو المخطوفُ بالجوعِ الإفريقيِّ، والمسكونُ بالهلع؟ بل كيفَ يقتنصَ الدهشةَ، وهو المرميُّ في المجهولِ الذي يلتفُّ عليهِ ويخاصره، ويصعدُّ به ويهبطُ على السواء؟‏

ضمنَ هذه المداراتِ، لاحَقَ “كتابُ المكابدات” الحدثَ، مستقطِباً مشاكلَ الواقعِ، بتمزقاتِهِ الحادةِ، وتناقضاتهِ الاجتماعيةِ والسياسيّةِ، يستبقُهُ همّان؛ همٌّ ثوريٌّ ضدَ الاستلاب بجميع وجوهه، وهمٌّ إشراقيٌّ، ذو نبرةٍ شعريّةٍ صوفيةٍ معمّقةٍ، في رؤيةٍ تتخطى سقفَ القصيدةِ الحديثةِ المتأسسةِ منذُ الستينيات، وتضيءُ عالماً داخلياً غنياً في إغرائهِ، رهيباً في خفاياه، حتى ليبدو “معد الجبوري” ثائراً تضوّعَتْ في شِعرِه ريحُ الإشراقِ الصوفيّ.‏

- طرابلس-‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

  -1للتوسع: أحمد يوسف: “شعرية أرسطو في ضوء القراءة الحديثة”. مجلة كتابات معاصرة، بيروت مجلد 4، عدد 15، أيلول 1992، ص 32.‏

2- معد الجبوري: كتاب المكابدات، اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1999.‏

 – 3ابن عربي: الفتوحات المكية. السفر الثاني. الهيئة المصرية للكتاب. القاهرة ص 281. تحقيق. عثمان يحيى.‏

4- معد الجبوري: كتاب المكابدات. ص 7. قصيدة “منفى”.‏

5- معد الجبوري: م. ن. ص35 قصيدة “ورائي ورائي”.‏

6 -fouis mossigmon: Essai sur lea origines de la mytique musulmane. Filraivie phylosphique Pariu 1968.P446.

7- نيتشيه: أصل الأخلاق وفصلها المؤسسة الجامعية، بيروت، 1983، ص 131.

- 8 معد الجبوري: م. س. ص 7. قصيدة منفى.‏

9- يؤمن ابن عربي بالنشأتين الطبيعية والروحية: نشأة الدنيا ونشأة الآخرة، للتوسع: ابن عربي: والفتوحات المكية. السفر3، ص 378 و388.‏

10- معد الجبوري: م. ن. ص 17. قصيدة بطاقة للسيدة المجرية.‏

11- برت أم هرد: كتاب الموتى الفرعوني من بردية آن. تر فيليب عطية. مكتبة مدبولي. ط1. القاهرة. 1988. ص100.‏

- 12 معد الجبوري: م. س. ص 69. قصيدة هواجس ليلية.‏

- 13 معد الجبوري: م. ن. ص 109. قصيدة جمرةٌ أخرى.‏

- 14 النفري: المواقف والمخاطبات. تحق. آرثر أربري. المؤسسة المصرية. القاهرة. 1985. ص 137.‏

15- معد الجبوري: م. س. ص 32. قصيدة أحكي عن الساحرة الأولى.‏

- 16 معد الجبوري: م. ن. ص 6. قصيدة جحيم الكلام.‏

17- معد الجبوري: م. س. ص 61. قصيدة شبيلي.‏

18- معد الجبوري: م. ن. ص 81. قصيدة طردية الأمير.‏

- 19 معد الجبوري: م. ن. ص 91. قصيدة هاجس الراعي.‏

20- معد الجبوري: م. ن. ص 9 و10. قصيدة الرحى.‏

-21 معد الجبوري: م. س. ص 71. قصيدة دعوهَ.‏

22- معد الجبوري: م. س. ص 5 و6. قصيدة: جحيم الكلام.‏

 – 23معد الجبوري: م. ن. ص 28. أحكي عن الساحرة الأولى.‏

- 24 معد الجبوري: م. ن. ص 101. ق ملك القنص.‏

25- معد الجبوري: م. س. ص 50. ق حلم.‏

26- معد الجبوري: م. س. ص 86. ق طردية الكتاب.‏

- 27 معد الجبوري: م. ن. ص 44. ق آيات الجوع.‏

- 28 معد الجبوري: م. س. ص105. ق. مشهد وانتهى.‏

29- معد الجبوري: م. ن. ص 62، ق. شَبيلي.‏

30- معد الجبوري: م. ن. ص 52. ق. ستعود.‏

 

***

 

موضوعة الحرب في المسرح العراقي

التاريخ حاضرا

                                                            عواد علي

 

( جريدة القادسية ) 12-9-1987

 

         لجأ كتاب المسرح في بداية الحرب إلى التاريخ العربي القديم والحديث، ولا سيما وقائع الحروب والمعارك التي شهدتها  الأرض العربية، ليستمدوا منه بعض المواقف والأحداث والشخصيات التي يرونها ذات دلالات عميقة في بنية الوجدان الشعبي، وذات قدرة على إثارة الحس الوطني والقومي من خلال الإيحاءات التي تبعثها رموز الماضي في نفوس أبناء الشعب، وذلك بإضفاء روح العصر الذي نعيشه على وقائع الماضي، آو جعل التاريخ معبرا إلى الحاضر، ومحاولة إيجاد مغزى واحد للأحداث والقيم التي ينطوي عليها كلا المسارين: الماضي والحاضر.

ومن أبرز المسرحيات التي استمدت موضوعها من التاريخ – وفق هذا المنظور- مسرحية (الشرارة ) للشاعر معد الجبوري..

وهي مسرحية شعرية قُدمت في أكثر من محافظة.. وقد قسمها المؤلف إلى تسعة مشاهد وخمسة مناظر، هي: إيوان كسرى، حانة فارسية، مجلس النعمان، خيام العرب، خيمة هاني.. وجعل لكل منظر دلالة مكانية فضلا عن وظيفته الدرامية، فالمشاهد الخمسة التي تدور أحداثها في إيوان كسرى ذي الطراز الفخم والملامح الامبراطورية تحيلنا، إذا ما اعتمدنا القراءة الإسقاطية للنص، إلى مدلولات معاصرة.. فالدسائس التي يحيكها بعض الشخوص والعنجهية والحقد والاستخفاف والأطماع التوسعية التي تشكل الخصال الأساسية لشخصية كسرى، وخيانة زيد بن عدي لقومه وارتمائه في أحضان كسرى لا يمكن إلا إسقاطها على حيثيات الحرب، رغم امتالكها خصوصية في التناول داخل إطار التاريخ.

لقد اعتمد المؤلف قي تفجير الصراع الدرامي، على رؤية قومية واضحة، ولكنها في الوقت نفسه رؤيا إنسانية، فالنعمان بن المنذر ملك الحيرة، لا يجد في ذكر محاسن قومه غضاضة، ولا يرى في الحديث عن سجاياهم الخيّرة وصفو نفوسهم أمام كسرى أي إشارة للإنقاص من الفرس أو الأم الأخرى، بينما يسعى كسرى في رده على النعمان أن يشيد بفضائل قومه الفرس بوصفهم السادة، ويثني على حكمة الهند وصناعة الصين ومدائن الروم.. أما العرب، ويسميهم عرب الصحراء، فلم ير فيهم خصلة خير.

( في البيد يروحون ويغدون/ مع الوحش النافر / والطير الحائر / تمضي الأيام بهم في قفر ويباب / ومع القلة والغلظة والفقر / يعودون إلى الأحساب أو الأنساب )

وهكذا يبرز الصراع القومي بين النعمان وكسرى ليشكل، خلال  نمو وتصاعد الحدث الدرامي، المحور المهيمن في المسرحية، يغذيه محوران آخران هما: محور زيد بن عدي رمز الخيانة والتنكر لانتمائه القومي، ومحور ماريا وهامرز اللذين يتآمران للقضاء على كسرى.. فلكي ينتقم من النعمان الذي قتل أباه ويوقع بينه وبين كسرى طمعا في تولي الحكم على الحيرة ، يحرض زيد بن عدي كسرى على إذلال النعمان، وذلك بجعل أخته ( الفرعاء ) خادمة للملكة ماريا، فهو ،إي زيد، أدرى بتمسك العرب بقيمهم، ورفضهم إرسال نسائهم للخدمة في قصور الفرس، ولكن الأمور لا تجري على هوى ابن عدي، فخيانته لقومه وطعنه النعمان من الخلف لا تمنع كسرى من قتله في اللحظة المناسبة.

كما أن اندفاع كسرى وراء لعبة زيد وغروره الأجوف لا يجلب له في النهاية إلا الهزيمة، فهاني بن مسعود الشيباني يأبى تسليم ودائع النعمان إلى وفد كسرى، ويرفض أن يحني رأسه للأعداء ، وأخيرا لا يجد مناصا من أن يجمع فرسان العرب، ويدحر بهم الغزاة الطامعين في ( ذي قار ) دفاعا عن العرض والكرامة

إن من يقرأ مسرحية ( الشرارة ) أو يشاهد عرضا لها لا يستطيع بعد الانتهاء منها إلا أن يقول: ما أشبه اليوم بالبارحة، فكثير من أسباب قيام معركة ( ذي قار ) لا تختلف في أبعادها وجوهرها عن حربنا الحالية، فكم من زيد خائن متندر لعروبته يطعننا الآن من الخلف، وكم من ( فرعاء ) تأبى أن يدنس شرفها الغزاة، وكم من هاني بيننا الآن يتصدى بشجاعة وبطولة للمعتدين، للبغاة الطامعين في أرضنا، الحاقدين على وجودنا القومي؟

 

***

مَعَد الجبوري وديوان ( حُرَق.. في فضاء الأرق )

                                                         د. وليد الصراف

( جريدة: عراقيون )  العدد 186  الثلاثاء 9 أيلول 2008

              هذا ديوان لا يكتبه إلا شاعر حقيقي، ولا يكتبه هذا الشاعر إلا إذا كان موصليا، ولا يكتبه هذا الموصلي إلا إذا كان معد الجبوري على وجه التحديد..

إنه أجمل ديوان قرأته منذ الاحتلال، وأجمل ديوان قرأته للشاعر معد الجبوري ، فكأنما كانت دواوينه الماضية على روعتها، خطوات في الطريق نحوه ودرجات للارتقاء إليه..  فنحن في زمن الاحتلال وزمن العولمة وزمن الفضائيات التي يحاول أنصاف المثقفين الذين يظهرون فيها مطربين ومذيعي أخبار ومحللين سياسيين و…. يحاولون أن يجعلوا من الثقافة زيًّا موحدا.. هنا في هذا الزمن الذي نتشبث فيه بأي شيء يدل علينا.. أي جدار مهدم.. أيّ جرّة مكسورة.. أي شيء يشير إلى وجودنا في هذا العالم المترامي الأطراف كصحراء.. في هذا العالم يأتي هذا الديوان ليؤرخ لمدينة بأحجارها وأشجارها وأسواقها وأعمار نسائها ورجالها وأطفالها.. لكأنَّما هم الطفل في معد الجبوري أن يبكي وحينما لم تسعفه عيناه بالدمع لجأ إلى القلم فأسعفه، فإذا نحن إزاء بكاء منضبط يموج بالصور، سائرا بإيقاع جارح إلى زمن قادم ستقرأ أجياله ما حدث للعراق وللموصل بالذات لا أحداثا ستجدها في كتب المؤرخين، بل ستجد زمنا نفسيا فاعلا منفعلا لا يصوره إلا شاعر صادق القلب صادق القلم.. هذا الطفل الذي رأى الحوت وهو يصادر موروثه ليرى الكلاب تبتلع القمر.. هذا الطفل الذي يقف أشجارا تتزاحم عليها الفؤوس ويرى حتى في الغاب مها ويرى بعد العمى الذي أصاب الأجيال زرازيرا في فضاء العيون.. هذا الطفل الذي ما يزال يجد فسحة للانتساب إلى ديك الجن الحمصي والذي توسوس له نفسه الأمّارة بالكبرياء أن السمَّ مَصّة الوشل.. هو  الطفل الذي يرى النعاج ترفع رؤوسها وهي تُحلَب، والذي يحتاج عشـرين جناحا ليفلت من صياديه، فكيف وهو شجرة تزدحم عليها الفؤوس؟

إن مَن ينشأ في مدينة تستند مآذنها إلى بعضها وبيوتها إلى بعضها ثم يرى الزقاق وهو يفر مذعورا من الزقاق مما يذكّرنا ببيت شوقي:

            قف بتلك الطلول في اليم غرقى     ممسك بعضها من الذعر بعضا

إن من يرى بعينه لا بعين شوقي هذه المشاهد ، لا بد أن تتوهج قناديله وتتمخض هوامشه عن فن أهم حتى من المتن وتدق أجراسه في كل زمان .. وليطمئن فلن تمحو الريح سطرا واحدا.. وهل محت نقشا واحدا من حجر موصلي واحد؟

نشهد أنك الشاهد والدليل والازميل الذي حفر أبجدية جديدة للحزن الموصلي سيقرأها كل من له عيون ويبكي على هديها كل من لا يزال في بئر قلبه احتياطي من الدمع.

لقد سحرني هذا الديوان، وبالذات في قصائده الأخيرة التي تؤرخ للموصل كما لم يؤرخ لها أحد، وتؤرخ حتى لبغداد..

هذا الديوان بقصائد التفعيلة وقصيدتيه العموديتين، هو امتداد رائع لتاريخ شعري طويل .. وسيبقى ما بقيت الموصل وما بقي الشعر.

                                                     ***                                      

الشاعر معد الجبوري : مسرحية آدابا

 

                                                                                         شفاء العمري

( جريدة نينوى )   24/ 12 / 2008

 

لم يأت تعلق معد الجبوري بالمسرح اعتباطيا ولكن جاء نتيجة للشغف الذي تملكه بعد ان شاهد الأعمال المسرحية التي كانت تعرض على مسارح بغداد في الستينيات و بداية السبعينيات من القرن العشرين والمنصرم ، وكان المسرح العراقي والعربي في اوج توهجه خلال هذين العقدين ومن محاسن الصدف ان يشاهد معد الجبوري أعمال عمالقة المسرح العراقي الكبار المرحوم إبراهيم جلال و سامي عبد الحميد و بدري حسون فريد وفي بداية السبعينيات ظهر اسم الأستاذ قاسم محمد وشاهد معد اولى مسرحياته التي أخرجها لفرقة المسرح الفني الحديث حكاية الرجل الذي صار كلبا وهذه المسرحية كانت الشرارة التي أشعلها الأستاذ قاسم والتي فتحت له أبواب المسرح في العراق ليتألق بأعماله المسرحية التي أعقبت تلك المرحلة .

هذه المعاصرة للحركة المسرحية التي نهل منها معد الجبوري مبادئ الفن المسرحي بوصفه مشاهدا كانت السبب المباشر في تصميم  معد لخوض تجربة الكتابة للمسرح غير انها بقيت محاصرة بالظروف التي رافقت دراسته في الجامعة وبعد تخرجه عين في قضاء الحمدانية مدرسا لمادة اللغة العربية وهناك وجد فرصته في إذكاء فن المسرح في المدرسة وفعلا كون فرقة مسرحية من الطلبة واختار الطلبة بحنكة المخرج المتمرس ، ظهر هذا بعد ان قدم الطلبة احدى المسرحيات ونالت نجاحا دفع العديد منهم الى حب المسرح والرغبة في متابعة دراسته أكاديميا  ومحاولة البعض الآخر على الاستمرار بالتدريب على المسرحيات وعرضها ولعل معد كان احد المسببين للحركة المسرحية التي عاشتها وتعيشها قرقوش خاصة إذا علمنا بان هناك أكثر من فرقة في هذا القضاء الصغير وقد قدمت في قرقوش أجمل الأعمال المسرحية  ولاسيما بعد ان تخرج العديد من أبناء القضاء من معهد و كلية الفنون في بغداد والموصل .

 

وبعد ان تخرج معد كانت فرقة الرواد قد تأسست  و فرقة مسرح الفن في نادي الفنون([1]) وكانت الفرقتان قد أحدثتا حركة مسرحية متألقة  وكان معد الجبوري يتابع أعمال هاتين الفرقتين على نحو متواصل . فوجد ان الفرصة أصبحت مواتية لخوض غمار الكتابة للمسرح هذه الرغبة التي كبتتها الدراسة في سالف الأيام فكتب مسرحيته الشعرية الأولى آدابا ،التي أخرجها للمسرح الفنان الأستاذ محمد نوري طبو وقد عرضت المسرحية ونالت استحسان الجمهور المعني بالمسرح فضلا عن المتلقين .

تناول معد الجبوري في مسرحية آدابا أجواء الأساطير العراقية القديمة بطريقته الخاصة التي لا تمت الى الأساليب والمدارس المسرحية ذات الاختصاص اقصد أنها لا تنتمي لمدرسة مسرحية او الى أسلوب مسرحي باستثناء استخدام الشعر لتنتمي بالتالي الى المسرح الشعري .

 

موضوع النص:

 

في فاتحة النص الذي نشرته مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر التابعة لجامعة الموصل يسرد المؤلف أسطورة آدابا كما جاءت في الرقم البابلية

تحت عنوان  ( آدابا-الأسطورة ) يقول فيها:

( آدابا أسطورة بابلية مفادها : ان انكي اله المياه العذبة صحب آدابا صياد السمك في خليج الرافدين وخباز اريدو زمنا طويلا ، تعلم خلاله آدابا حكمة الآلهة وأسرارها ، فاتخذه انكي خادما للآلهة، إلا أن آدابا كان إنسانا يرى ان مهمته هي تزويد البشر بالخبز والسمك والثياب وإعانتهم على التخلص من الوحوش والأمراض

وذات يوم بينما كان آدابا يصطاد في الخليج إذ بريح الجنوب التي كانت في تصور البابليين طائرا هائلا – تقلب قاربه ، فلو كان آدابا كسائر الناس المستعبدين لاستسلم لها ، ولكنه كان حكيما وشجاعا فانتقم من الريح الجنوبية بان كسر أجنحتها ، ولم تمض ايام حتى توقفت ولم تعد تهب على الخليج .

ويغضب ( انليل ) اله العاصفة ، وسرعان ما يعرض الأمر على كبير الآلهة (آنو ) الذي يقرر دعوة آدابا الى السماء لاستجوابه ، ويقلق انكي على رفيقه وخادمه ، فيرسم له الخطط ، ويهيئ له جوا ملائما لمقابلة الآلهة ، فيطلب منه ان يرتدي ثياب الحزن ، ويضع الرماد على رأسه ، وإذا سئل عن سبب ذلك أجاب (( أنا حزين لان الآلهة تركت الارض وأقامت في السماء )) ثم ينصحه قائلا “” إذا أعطاك الإله طعاما لتأكله او شرابا لتشربه فارفض أكله وشربه لأنهما طعام الموت وشرابه “

ويصعد آدابا الى السماء ، اما انكي المحتال فيحقق ما اراد وهو ان يبقى آدابا بشرا يخدمه ، وينفذ من خلاله ما يريد اذ لم يغب عن بال انكي ان اله السماء انو قرر ان يصبح آدابا الها ، وان الطعام هو طعام الخلود ويقف آدابا بين يدي آنو كبير الاله ، فيقدم له الأخير طعام الخلود وشرابه ، فيتذكر تحذير انكي ، فيرفض الطعام والشراب ويصر عل رفضه ،فيعجب آنو من إنسان يرفض الخلود ، يقول غاضبا ” آدابا لقد رفضت ان تأكل من طعام الحياة فعد الى الأرض ومت )

 ويشير معد الجبوري إلى أحد الآراء التي تقول : ( إن هناك من يرى أن آدابا كان نطفة البشرية الأولى وهو زعيم البشر وقائدهم ، أما اسمه فيشبه اسم الإنسان الأول ( أدامو ) وهذا يعني انه بمثابة ادم ) ([2])

لقد نهل معد الجبوري من هذه الأسطورة التي وضفها شعريا لخدمة النص فجاءت الشخصيات وأسلوب الحوار مع استخدام ترديدات الكورس متناغمة مع الأجواء الأسطورية. حتى بدا النص وكأنه نص أسطوري كامل ، والواقع ان النص نهل من مخيلة معد الجبوري الأسطورية بوصفه شاعرا لان الشعر  في تأسيسه كان أسطوريا وبالتالي كان بحثا عن وسائل للتعبير عن المشاعر والأحاسيس الإنسانية المتلبسة أساسا بأحد أهم مناهل الأساطير وهو  الخوف والبحث الدؤوب عن الإجابات الإنسانية الكبرى .

وهذا يبدو واضحا  حين ظهر في أدب اليونانيين القدماء.أما العرب فقد كان الشعر هو ديوانهم المشهور فقد استخدموه في التعبير عن عالمهم برمته فعبروا به عن مجمل حياتهم وحددوا له أغراض ولكل غرض صيغة لغوية وصورية للتعبير عنها، اعتاد الشعراء على استخدامها ، والتفرد كان في غرابة الصورة وجمالها ودقة البناء في العمود الشعري.

ولكي تكتمل الأدوات في التعبير عن أجواء الأسطورة التي استلهما لنصه اختار الأسماء وأعطى للأجواء المسرحية طابعاً أسطورياً فأصبحت الآلهة أبطالا لمسرحيته وانقسم المجتمع إلى أسياد وأدواتهم الجلادين والآلهة ( آنو و أنليل و ننليل و أنكي ، وكهانهم  و أفراد الشعب هم المسحوقون في الحياة. وقد أعطى آدابا الصوت الثوري والرافض وبذلك أصبح الحلم بالنسبة الى الشعب وقد اعتمد أسلوب المسرح اليوناني الذي يبدأ بالجوقة او بالراوي الذي يستهل المسرحية ليسرد لنا الحالة التي يريدها المؤلف مفتاحا للدخول الى العرض .

الراوي:

الآن ..وفي هذي الظٌلمة ..تتوحد كل الأشياء ..انتم ..    وترقبكم ..   ومقاعدكم .. والجدران ..الظلمة كانت في البدء ….كانت أجنحة الليل ..ترف على وجه الماء ..ولذا..قد نتفق الآن ..أن هنا – في هذي القاعة ..يوجد من يتعرى او يتخفى ..لنقل – قد يولد بينكم الساعة طفل ..او تولد عنقاء ..لنقل – مادامت تسقط في الظلمة ..كل الأشياء ..قد لا يوجد في هذي القاعة إنسان ..ولنتفق الآن ..أنا لن نعرف ..اين نكون ..وأين تكون الأشياء ..حتى نتعلق في خيط ضياء..لن نتلمس أوجهنا ..حتى نعرف كيف ترف النيران على وجه الماء .

قراءة سريعة لهذه الافتتاحية التي يتلوها الراوي نرى ان المؤلف يريد ان يضعنا في مواجهة المضمون او لكي يمد رابطا بين والواقع وبين الحكاية التي سوف يسردها الممثلون أو الحكاؤون أمامنا  انه يريد ان يوقظنا لكي لا تغمرنا الأسطورة في أجوائها وبذلك نبتعد عن القصد عن الحاضر . الذي لم يبتعد بدوره عن الأزمات التي يعيشها الإنسان منذ أقدم العصور ، انها أزمة وجوده وهي ايضا خلاصة معاناته الأزلية المتمثلة في صراعه مع بعضه او مع المحيط الذي لم يخلوا من الطبقات الاجتماعية المتناقضة  سادة وعبيد  ضعفاء وأقوياء او بين مالكين أغنياء وفقراء محرومين . والإنسان منذ ان وجد واكتشف المصير الذي ينتظره لم يأل جهدا في البحث عن سبل الخلاص .

ويشير الشاعر معد الجبوري إلى المناهل التي حاول الاستفادة منها في مقدمة الطبعة التي صدرت عن دار الكتب : المسرحية تفيد في مواضع قليلة من الشعر السومري و البابلي ومن العهد القديم ( التوراة )وإفادتها افادة من جو تاريخي تتاطر فيه ولا تنقله . فترديد المجموعة مثلا : عبارة ( والشعب ينوح ) في الفصل الاول ، يعتمد في بنائه نشيدا سومريا تتكرر فيه نفس العبارة ، وعبارة ” الكل باطل وقبض ريح “مثلا حكمة من العهد القديم – سفر الجامعة – وهي حكمة معروفة ترددها المجموعة في نفس الفصل .

معادلات ما زالت تقلق الإنسان و ليس فيها ما يطمئن ، انه مصير لا خلاص منه

المجموعة :

منذ طلعنا من رحم الأرض ..وركعنا بين يدي انليل ..ضاق بأوجهنا درب الرفض. .وسقطنا جيل يندب جيلا ( ويستمر حتى يصل إلى )

لا نملك غير الجذر المقطوع ..لا نملك غير الدهشة والصمت ..نولد ننمو في أحضان الجوع

ونفر من الموت الى الموت..نحن الفقراء المنبوذون ..نحن الغرباء المنفيون .

ويظهر آدابا صائد السمك، الذي يحمل النص في مضمونه محمل بالرفض بالوقوف أمام التيار الهادر بالثورة على الواقع.

 إن معد الجبوري كان يعالج وجع الإنسان ، يضع إصبعه على الجرح البشري اين ما كان فأوكل آدابا وأعطاه هذا النفس الرافض الثائر كما أعطاه روح القائد الذي يجمع حوله الضعفاء والفقراء والمنبوذين ليصنع منهم حزمة اجتماعية تستطيع ان تدفع بالأقوياء نحو الانصياع للأحلام الضعفاء وبصوت الآخر الذي وزعه على المجموعة لكل شخص صوت:

 نكدح طول اليوم..تتآكل أيدينا ..تبيض مآقينا..ونعود لنستسلم للنوم..في هذي الأطلال..فمتى نبقى في هذي الحال ؟

آدابا (بفرح) :  شئ رائع

” وبلهجة تأكيد” لكن  انتم قررتم ان تبقوا في هذي الحال

المجموعة :  كيف ؟

آدابا : هل يعرف منكم احد كيف يسد طريق السيف

        الغائر في لحم القلب ؟

       هل يعرف منكم احد

       كيف يثور الحمل بوجه الذئب ؟

المجموعة :  اخبرنا .. كيف ؟

آدابا :  يوم عشقت هذه البلاد..قدر انو ان أكون خادم البحار. قدر ان تأكل من جلدي شباك الصيد،  أن تنهبني البحار.. قدر أن اعد للأسياد.. موائدا مترفة..قدر أن أحشو بطون الآلهة .. بكل ما اصطاد.. فهل رضيت أن اكون الخادم المختار

المجموعة :- من يملك أن يرضى أو لا يرضى .. من يملك أن يختار ..

آدابا :  أنا الذي أحيا  ولا املك أي شئ .. أنا الذي لو إنني خسرت ..لا اخسر أي شيٌ

       أرضى واستسلم للبحار ؟

المجموعة :  إن لم تستسلم

             كيف رفضت ؟ ..  كيف نجوت ؟

آدابا :  وقفت في العراء.. صرخت .. آنو أيها القابع في مغاور السماء  البحر لي

     ما دامت الشباك في يدي .. فاحكم بما تشاء .. لابد أن أكون سيد البحار

المجموعة :  تتحدى انو

آدابا :   رفضت

         فكان صوتي يعبر المجهول.. ينساب مع الإعصار.. وكان مجدافي يشق البحر

        يطوي زبد العباب ..وها أنا أعود كل يوم

        بالخبز والأسماك والثياب

المجموعة : ليس غريبا

              نحن المنبوذون، وآدابا أنت

              ( يرفض هذه العبارة بقوة)

آدابا :  كلا وهل كنت كما ترون

               لو لم تكونوا كل لحظة معي

المجموعة :   نحن معك

آدابا :      اجل فلولاكم لما رفضت .. لو لاكم لما بقيت حتى اليوم ..فمنكم أبدا خطوتي

          وأنتهي إذا انتهيتم .. نحن آدابا جميعا ..أفهمتم كيف لا أكون شيئا ما

        لو تكونوا كل لحظة معي ؟

مقدم المجموعة : فإذن لابد لنا أن نرفض هذي الحال

المجموعة : نرفض هذي الأطلال ..نصبح أصحابا ..  نتحدى جوع الأغلال.. نتبع آدابا

مقدم المجموعة:    حسنا حسنا ..هذي أول خطوة

المجموعة :   والأخرى

مقدم المجموعة :  نصفق في وجه الآلهة الأبوابا

                  فلنصفق في وجه الآلهة  الابوابا .

هذا المشهد يعطي الموضوع أبعاده في مسرحية آدابا، ان وجود القائد حين يصبح موثوقا من قبل الشعب يصبح قدوة لهم ومنار،  والمسرحية تنحو الى تجميع الكلمة والرأي لكي يستطيع الشعب تحقيق أحلامه وان اللحمة بين أبناء المجموعة الواحدة هو السبيل الى الفوز بالنصر وهي كما نرى مسرحية تربوية في موضوعها تؤسس الى الوحدة ونبذ الفرقة وكم نحن اليوم بحاجة الى هذا النفس الوطني .

لقد اختار معد الجبوري شكلا خاصا لمسرحيته فقد قسمها الى مشاهد بنى من خلالها الخط الدرامي للمسرحية ، نراه صاعدا مع تسلسل المشاهد منذ البداية وحتى القمة ، والاحداث موزعة على المشاهد أي ان خط الحدث لا يخضع الى المسار الأرسطي بصورة مباشرة، لان المسرحية تعرض وتأزم وقد تحل  في المشهد الواحد، وان الإيقاع بالبطل أي حس المؤامرة الذي أوكله المؤلف الى انليل  أشبه بعدد كبير من الشخصيات التي رأيناها في المسرح العالمي والعربي ، غير انه أعطى للمسرحية بعدا دراماتيكيا جميلا فمحاور الصراع بين الآلهة وأدواتهم الجلادون وبين الشعب ومعه آدابا ، هذا الشكل فجر إيقاعا سريعا وجميلا للنص خاصة وان نمو الحدث القصير في المشهد الواحد يلون السرعة ويغير من رتابة الإيقاع

إن أبطال المسرحية هم الممثلون جميعا وليس آدابا كما يوحي لنا العنوان  وهذا كان مقصودا عند معد الجبوري لكي يوزع الحدث على المجموعة فيصبح لكل مشهد بطله وشخصياته التي تحيط بالبطل ، لان الموضوع يقتضي ان تكون الأدوار متناغمة .

خطاب معد الجبوري في هذه المسرحية كان خطابا وطنيا حادا وكما قلت مربيا ومتفاعلا مع الأحاسيس العامة للمواطن العراقي والعربي وحتى في العالم الثالث حيث تسود الأساليب القمعية التي تستهدف الضعفاء في الغالب وان الآلهة في العالم تأخذ أوجه مختلفة والضحايا هم الشعوب دائما .

——————————————————————————–

 

[1] – نادي الفنون في الموصل أسس سنة 1961 وقد قدم النادي نشاطات مسرحية وموسيقية و تشكيلية خلال السنوات التي سبقت تاسيس فرقة مسرح الرواد سنة 1968 في تلك السنة قمت بتأسيس فرقة مسرحية داخل النادي أسميتها فرقة مسرح الفن تيمنا بفرقة مسرح الفن في موسكو التي كان يديرها ويشرف عليها الفنان الروسي الكبير ستانسلافسكي

 

[2] – قصة النشوء كما وردت في القران الكريم والكتب السماوية

***

الشاعر العراقي معد الجبوري

استحضار التراث لمواجهة الحاضر

                                                   د. يوسف نوفل

مجلة الرافد –    العدد  141 مايو 2009

             الشاعر معد الجبوري المولود في الموصل عام 1946 صوت شعري واضح المعالم وهو صوت شعري لا يرجع وضوح صوته إلى تكونه الأدبي بدراساته بجامعة بغداد فحسب ولا إلى عمله في المسموع والمرئي فقط. ولا إلى مشاركاته في المؤتمرات والمهرجانات والأيام الثقافية، ولا بما ناله من جوائز، وإنما يرجع في الأساس إلى جمعه بين إبداع القصيدة الغنائية من ناحية وإبداع المسرح الشعري من ناحية ثانية، الأمر الذي منح شعره طاقات متفاعلة متحركة تفاعلت مع ما يمور به واقع العراق والأمة العربية، وذلك بما كتب من مسرحيات ومنها ( آدابا ) المركز الثقافي لجامعة الموصل 1977 و ( شموكين ) المنشورة بملحق ( فنون ) العراقية ببغداد 1980 و ( الشرارة ) وزارة الثقافة والإعلام بغداد 1986 ومسرحيات غنائية بالاشتراك والسيف والطبل 1994 ،  وكتب مثل ( طرديات أبي الحارث الموصلي 1996 وكتاب المكابدات 1999 وأوراق الماء 2001 وحرق في فضاء الأرق دمشق 2005

تتوقف هذه الدراسة النقدية مع أحدث دواوينه ( حرق في فضاء الأرق ) وأكثرها تجذرا في الواقع العراقي والعربي وأصدقها تصويرا له ومن خلال العنوان( حرق في فضاء الأرق ) تبرز الحقيقة في هذا العنوان الدال بحروفه وزمان ميلاده، حيث كتبت قصائده بين نيسان وشباط من سنتيْ 2003 و 2004 ليمضي السياق الزمني مهادا متناغما مع عنوان الديوان. تلك الإشارة الجمالية بمكونات الجملة فيها، والتي تجعل العنوان ( نصيصا ) كما ارتأى مالك المطلبي يؤدي وظيفة قولية تضاهي النص وتجعله نصا موازيا مختزلا مكثف الوجود ما بين البدء والختام، هو هنا من ثلاث مفردات ورابط تؤدي كل منهما معنى الجمع، فالحرق جمع حرقة، والفضاء باتساعه كالجمع في تعدديته، والأرق اسم لجنس الأرق متعدد الوجوه والألوان، وبذلك يكون الفضاء هو العراق، والأرق همها المائل صباح مساء، والمخيم على آفاق العالم العربي كله، أما الحرق ففيها موقف المحترقين بنار تلك الهموم، وهذا هو الصوت الكامن في الديوان.

وكما زحف الدال إلى العنوان الخارجي زحف إلى العنوان الداخلي في قصائد الديوان، وأبرزها مفردات دالّة وحدها دون عون معنوي من التراكيب:

وجع – الجرح – بكائية – مرثية – القفص – الغيظ – الدم – الغاب

أو تركيب: ومنه ( الليل غريب دوني  . حرقة الوجد .  أنا المسكون بالغبش . وأيها الغيظ الهطول )

وتفصيلات عنوانية في هوامش على: بكائية ديك الجن، ولامية الطغرائي، ومرثية ابن الريب

وجرَس كل من: القفص، والحمى، والغيظ. وقناديل الرخام، والزمان، والحلم.

وأوراق من مخطوط موصلي، وفي حضرة ذي النون، ووجع يدق الروح

وجع آخر أيام العرب

اللافت في هذه القصيدة الأخيرة، أنها المفتتح للديوان بأسره، وأول الديوان المقطع المتكرر أربع مرات: يوم عبوس/خلفه يوم عبوس… كانت خنازير الدجى صوبي تدبّ/ وكنت أشهق بي أحضان المدينة مثل طفل…… والحوت في صمت يغض الطرف/وهو يرى كلاب الليل/تبتلع القمر…. صبرا على وجع يدق الروح/ ياروحي التي تنقاد/ من مرٍّ إلى مرٍّ لتحتمل الأمَر/ هي بعض أيامٍ آُخر/ بين البساطيل الرئيسة والبساطيل الرؤوس/هي بعض أيام أُخَر.

وكأننا أمام يوم من أيام العرب الكبرى لم يوصف بمكانه مثلا ( يوم ذي قار ) ولا بأشخاصه ( يوم حليمة ) ولا بوقته ولكنه وسم بالوسمة التي تنطبق عليه بصيغتها المبالغة (عبوس ) يوم ليس يتيما بل متجدد ( خلفه يوم عبوس ) تتلوه أيام بصفة لا تقلّ عبوسا ( في فلوات أيامي ) وهو مع تناميه منتشر، تحقيقا لتلاحم الزمان والمكان وعدم انفصالهما بين أحضان المدينة الممزقة ( فرأيت أحشاء المدينة وهي تُرمى في الشوارع ) ولا مفر من الصبر ( صبرا يا بلادي.. يا مساكن، يا مآذن، يا مفاتن، ياشجر .. هي بعض أيام أُخر ) حتى نصل إلى آخر جملة من الديوان: ( ونحن نهبط راحلين ) وهي ختام القول عند الشاعر.

وهنا نلتفت إلى النهج الشعري عند الشاعر في تنبهه لتجاذب المطلع واختام دوما مع توظيف التكرار، وذلك فيما بين أيدينا من تكرار ( يوم عبوس ) أربع مرات في كل من صفحتي 5 و 7 وترادف القافية السينية المردفة مع ذلك التكرار الحزين معنويا وموسيقيا في: أجوس، والتروس، والنفوس، والضروس- بفتح الضاد المضعفة – والفؤوس، والكؤوس، والرؤوس، وكل كلمة منها تضيف إلى حركة المعنى السابق، معاني لاحقات متجددات. وهكذا اتصلت لحمة المعنى بين مطلع ( أحكي عن أميرة الجبل ) وهو: (خرير دمي أم خرير المياه ) وختام القصيدة ( يا صباح الخرير الذي لمّني/ يا صباح الخرير الذي لا يكفّ/ عليك السلام.. وليظهر التناقض بين المطلع والختام، ومن ثم العنوان في قصيدة ( كيف أمحو ) إذ يقول المطلع ( أرسم الصبح شفيفا/ مثل عين الديك ) بينما يقول الختام: ( كيف أمحو ؟ كيف أمحو) وإذا لم يراوح الشاعر بين المواجهة القائمة في المطلع والختام، حرص على أن يبني المطلع على محذوف يتسع فيه مجال التقدير، ليؤدي معنى البلاغة/الإيجاز ، على نحو ما نرى في مطلع ( هامش على مرثية ابن الريب ) بما يدل عليه النقْط في مطلع القصيدة (… وأجل).

ومنهج والتقابل والتضاد يتيح للشاعر مضاعفة مساحات الدلالة ويتيح للمتلقي زيادة عدد التأويلات، وتَطَّرِد هذه الظاهرة في ( بين الصخرة والوعل وبين الوردة والنعل.. فتحت كتابي)..  ( أنا الماضي أنا الآتي).. لَويتُ- بالمبني للمعلوم- عنقي، ولُويَتْ – بالمبني للمجهول- عنقي .. والمقابلة الساخرة بين شارة النصر بين السبابة والوسطى، وبين شارة النصل و( وأقتلها وتنهض وأقتلها وتفتح.. أهدم ما بَنتْ ) والمقابلة بينه وبين الآخر( من كان في حضني ينام يجد في قتلي ومَنْ دوني علاني ) .ز( وأنا البعيد أنا القريب .. أراه ولا أراه ) والمقابلة بينه، وهو ( نسيج الأرض ) وهو ( الجذر البعيد ) وهو ( الطريق ) من ناحية، والأيائل والعجول والخيول، من ناحية أخرى.. وبينه وبن نفسه كأنه التجريد في الشعر القديم ( انتزعوني مني ) – ( أرتد للطفل الذي غادرني ) – ( أم اني الآن أنهض من حطامي ) – (على نفسي بكيت ).. وتناقض الواقع ( اللآلئ في القعر مدفونة والطحالب تطفو )

دلالات التناص:

وما دامت آفاق الشعر هي بغداد فإن التناص والسفر إلى التراث حتمي، وإن المكان لَحَيٌّ ماثل شاهد ناطق عن ماض وحاضر، وإنْ ترامت المسافات والأزمان ، هنا صورة المدينة ممتزجة

بالاغتراب ( طال اغترابي ) والأسى والشعور بالفقد (كل مدائنك الكبرى والصغرى ضُربتْ ) وهنا أيضا من الحتم أن نركب أجنحة خفاقة مرفرفة انطلاقا من وإلى ( حجر من الصوّان ).. ( أسحل خلفي مدنا.. لأي جزيرة يصفو بها صوتي )

حتى يصير المكان ( سهلا رحيبا ).. ( قبل التيه في الوديان قبل القفز بين السيل والزلزال.. (على رمل عشرين صحراء ) متسائل: (هل تستريح هذه البلاد والعراق لا ينام)  والمغول في بغداد

ويكون المكان بآثاره وأحجاره الناطقة بطلا إذ يسافر إلى آشور ( وهي البلاد القديمة شمالي ما بين النهرين عاصمة الآشوريين قبل أن تنتقل العاصمة إلى نينوى ) وبابل ( في أواسط ما بين النهرين على الفرات وهي حديثا محافظة عاصمتها الحلة )

( تقوم أور من رُقم الطين…. وهذه آشور فوق المسلات وفي ثيرانها المجنحة) ( رأيتك في رقيم الطين بين يديَّ/ في البيبوت غطى السهل من آشور حتى نينوى ).. ( ونينوى فرس تخبّ على التلال الخضر… ونينوى جرس يرن/ يرنُّ في أذن الزمان ونينوى الإزميل في الألواح والثور المجنّح في الرخامِ ) في إشارة إلى الآثار القديمة وما تحمله من تاريخ وعراقة وتجذّر، بما في ذلك مما يحكى عن قدوم ( بختنصّر ) من ناحية بابل ليؤدب الشعب الضال قديما، أما الآن فإن أول الأسلاب التي وقعت بين أيدي اليهود الغزاة سرق لوحة ركوع العبرانيين أمتم ( نبو خذ نصّر ) وكانوا بهذا السطو الحديث مجددين تحطيم طالبان لتمثال بوذا مع الفارق الكبير

( ومن الفاو إلى دهوك وسبأ لا سبأ ولا نبأ سحاب خلَّب فوقي .. اندلعي يا صرخات الأخدود اندلعي وتوهج يا جرح ) لتنفجر الدلالات من رحم التاريخ بقصة أصحاب الأخدود كما وردت في القرآن الكريم والكتب المقدسة، وهم ذو نؤاس ملك اليمن ومن تهود من أصحابه عذبوا نصارى نجران وحرقوهم ليردوهم إلى اليهودية وذلك بأخدود ( الحفرة المستطيلة ) وصف بقوله تعالى: النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود.. وكأننا أمام نجران الجديبدة ومع نواسيين جدد في تحالف جديد…  والتيه في الوديان يذكرنا بتيه بني اسرائيل.. والمآذن بإيحائها الديني:  يابلادي.. يا مآذن…..  ومئذنة الحدباء

وتبرز الأماكن الماثلة بعبقها التاريخي ومنها الموصل الملقبة ( بالحدياء وأم الربيعين) كانت عاصمة الجزيرة في عهد مروان أسس فيها الحمدانيون إمارة مستقلة وعلى مقربة منها أنقاض مدينة نينوى العاصمة الشورية

( والموصل تلتف بي شاحبة مثل جبيني.. كانت الموصل شلال حرير وفضاء اللؤلؤ المنثور ألتف به في الليل… والموصل إبريق وقلبي قدَح .. والموصل تغلي.. أصغي إلى أبوابها السبعة.. أهذي ساعة الطلق أم الطرق على جمجمة الليل … والمئذنة الحدباء ).. وبلكيف ذلك المصيف في شمال العراق ( وبلكيف تلك الاأميرة تغفو معي في سرير الشذا) (وقلعة باشطابيا) زمن زاخو إلى طنجة: لتظل الوحشة والخوف في المكان: تخلو السراديب إلا من الخوف – يا ملاعب صحبي ودار صباي عليك السلام – زقاق مهجور يعدو مذعورا خلف زقاق مهجور

ويظل عبق المكان في التراث الشعبي ملحا على وجدان الشاعر، شذا وذكرى ، كما يتجسد في الصور الماثلة في: ( من باب شمس إلى باب سنجار ) – والعادات الماثلة في تدشين البيت الجديد بكبش-  و ( سم عليه ثلاثا… حتى تكسر جرة فخار وأم الأولاد تزغرد وهي ترش الماء… والحناء.. والبيت بلا مزلاج سبعة أيام بلياليها .. وافتح مصراعيه بعد صلاة الجمعة ترتد عيون الحساد عن البيت ويهرب منه الجان بلا رجعة – وقصيدة سوق العطارين ووصفاتهم الطبية، والحمامات الشعبية.. ولنرى أقدم رسل المكان الهدهد: (أصيح في واد وفي كفيّ ينزف هدهدي المذبوح، مٍنْ ألِف الغياب المرّ حتى الياء )

استدعاء التراث:

وفي الديوان ثلاث قصائد صدر عنوان كل منها ( هوامش ) يتوحد الشاعر المعاصر في كل منها مع جانب يختاره من سيرة الشخصية المضاف إليها ومواقفها ففي هوامشه على (ديك الجن) اتحضار لمواقف عبد السلام بن رغبان الحمصي، فيقول متحدا مع الشاعر القديم ( بعد أن ضيعتها أبكي عليها )

وعلى هامش الطغرائي ( مؤيد الدين الأصفهاني ) الشاعر الوزير قي بلاط السلاجقة، ومن أشهر قصائد ديوانه قصيدته الشهيرة لامية العجم ومطلعها:

           أصالة الرأي صانتني عن الخطلِ     وحلية الفضل زانتني لدى العطلِ

أما شاعرنا المعاصر فيتحدث عن الهوة التي اتسعت وضياع الخيط وعن الاغتراب.. أما هامشه حول مالك بن الريب، فموقف الشاعر هنا لا ينفصل عن موقف الإنسان العربي مع تنوع العصور اختلاف الموقف، فهو ينقل الحدث المعاصر (على هامش مرثية ابن الريب ) استحضارا لموقف مشترك: قديم وحديث من الموت، حيث كان مالك الذي انضم إلى جيش ابن عفان، وكان في طريق مع سعد بن عفان فأراد أن يلبس خفه، فإذا بأفعى في داخله فلسعته، فلما أحس بالموت استلقى على قفاه ثم أنشأ يلقي قصيدته، وسواء أكانت مقدمة القصيدة متحولة أو غير متحولة فإن يائية ابن الريب ناطقة بجملها بين التمني اليائس، والنداء المستغيث الملهوف- (يا صاحبَيْ رحلي دنا الموت) والسؤال الحائر اليائس ( هل أبيتنَّ.. ألم ترني؟ ) وصورة واقعه الأليم:

          تذكرت من يبكي عليَّ فلم أجد          سوى السيف والرمح الردينيّ باكيا

          يقولون لا تبعد وهم يدفنونني           وأين مكان البعـد ،  إلا مكانيـا

          فيا مالكا إما عرضتَ فبلٍّغَنْ               بني مالك والريث ،  ألا تلاقيـا

ثم إرساله تحيات الوداع إلى الأبد، إلى إخوته  وأبنائه وشيوخه وأمه وناقته

من هذا المناخ المشترك بين الشخصية القديمة والحديثة ترتفع أصداء الموسيقى الجنائزية في رثلء للنفس بقدر ما هو رثاء للمدن أو بمعنى عام للوطن بأسره، ومن بين هذا الركام والحطام والإفناء لا مفر من أن يكون الإيقاع الموسيقي في الديوان في سلّم واحد ودرجة واحدة، ليغدو في مجمله موسيقى جنائزية إذا جاز في التعبير، فإلى ما استمعنا إليه من سمفونية ( اليوم العبوس ) وفي استدعاء هذا النوع من الشخصيات التراثية، تجد موسيقى البديع تشارك، بإيقاعها وأصواتها وتراكيبها وأجزائها، في العزف الجنائزي:

-       بكيت وما بكيت

-        بين القوافل والقبائل

-       صدَّ من صد

-       شارة نصل لا شارة نصل

-       البساطيل الرئيسة والبساطيل الرؤوس

-       سوق تدخل في سوق، سوق تطلع من سوق، أسواق تولد من أسواق

-       الحدادين، النجارين، الصفارين، العطارين، البزّازين، الخياطين،الصوّافين، الصرّافين، تجار الأقمشة.. الألبسة….

-       بين المنائر والقناطر

-       ساعة الطلق أم الطرق

-       لا سبأ ولا نبأ

أما القالب الموسيقي الشائع، فهو قالب الشعر التفعيلي المعتمد على السطر الشعري، فيما عدا قصيدة واحدة جرت على نسق القالب التقليدي ذي الأشطر المتساوية واروي الموحد، وكأنه يستعين بالتراث في نواح يتجلى في بالغة كامنة في خاتمة النص:

        وقلب لجوج كلما انفك من رحى        طوته رحى أخلرى وهمّتْ به رحى

وفي السياق نفسه يأتي الموشح بظلاله وتأويلاته وتوظيفاته البديعية الموقعة على اشتقاقات مادة ( روح ) وقي موقعه الملائم معنى وإيقاعا ومناخا نفسيا وموسيقى تصويرية:

                       تفرق كل أحبابي  وراحوا

                      وراحت بعدهم كأس وراحُ

                      تكفكف دمعتي راحٌ، وراحُ

                      تودع ما تبقّى من شـبابْ

ليكون صوت الشعر متحدا ومتوحدا مع الهم العربي الجاثم على الصدور

***

 

الهواة أكثر صدقا

                                                نبيل بدران

 

( آفاق عربية ) السنة الخامسة – العدد 8 – نيسان 1980

 

              لقد نالت فرقة نينوى للتمثيل شرف افتتاح المهرجان القطري الأول لفرق مديرية المسارح، بتقديمها المسرحية الشعرية ( شموكين ) من تأليف معد الجبوري ول‘خراج شفاء العمري

وقد اختارت فرقة نينوى التعامل مع نص شعري، فتضاعفت بذلك صعوبة تجربتها، فأزمة المسرح الشعري تكمن أساسا في غياب ( الشعر الدرامي ) من فوق المنصات المسرحية، فلا يكفي أن يكون مؤلف المسرحية الشعرية شاعرا متفردا بصياغاته الشعرية الجيدة، متمكنا من قدراته البلاغية غير المحدودة، مسيطرا على تراكيبه اللفظية، بل لا بد أن يكون مدركا لطبيعة الدراما ومكوناتها الأساسية.

ويبدو أنها أصبحت معادلة صعبة التحقيق، فإذا ما وجدنا الشاعر الجيد نفاجأ بأن درايته بأصول التأليف الدرامي تكاد تكون غير محسوسة تماما، فيطلق العنان لخياله الخصب، ويبدو حريصا على القافية والاستعارات والكنايات البلاغية أكثر من حرصه على المواقف النابضة بإمكانات التعبير الدرامي متكون النتيجة أننا نجد فوق المنصة المسرحية مجموعة من الأشعر التي يلقيها الممثلون إلقاء جيدا دون أن تبدو لها علاقة حقيقية بالشعر الدرامي.

وإذا وجدنا المؤلف الذي يدرك جيدا طبيعة الدراما، تفاجأ بافتقاده إلى التوهج الشعري والخصوبة البلاغية، فنجد صياغة مسرحية جيدة لكنها تفتقد مقومات الدراما الشعرية.

وهكذا في العديد من عروض المسرح الشعري يتواجد الشاعر في غياب المؤلف الدرامي أو يتواجد المؤلف الدرامي في غياب الشاعر.

لكن الشاعر معد الجبوري مؤلف مسرحية شموكين اقترب كثيرا من ذلك ( الشعر الدرامي ) المنشود، فقد تجنب التمادي في الانشغال بخلق التراكيب اللغوية غير المألوفة، وتحاشى الانجراف وراء ( المونولوجات ) الفردية الطويلة التي تعطل نمو الحدث المسرحي وتقلل من تطوره وتأثيره، وحاول أن يجعل الشعر عنصرا أساسا من عناصر التعبير الدرامي، وأن يوظف التعبير الشعري لخدمة العمل المسرحي

وقد نجح المؤلف إلى حد بعيد في تحقيق هذا الهدف بتجنبه للأحداث الجانبية الهامشية بابتعاده عن الاستطرادات اللغوية غير المجدية دراميا، بهدف التوصل لدرجة ( التكثيف الدرامي ) المطلوبة، وليس معنى ذلك أنه ضحى بالقيم والتأثيرات الجمالية، فالحوار لا ينقصه جمال التعبير الشعري، لكنه ليس الجمال الخارجي الشكلي الذي لا يترك في النفس أثرا عميقا، فالشعر المسرحي ليس حلية جميلة يزين بها النص المسرحي، بل هو وسيلته الأساسية في خلق الحركة والصراع والنبض الدرامي المتدفق، وقد اتسم حوار مسرحية ( شموكين ) ببساطة الصياغة وسلاستها وبدرجة التكثيف المطلوبة في الحوار المسرحي،

وقد تهيأت للنص امكانات الصراع الدرامي من خلال الاختيار الذكي لفترة تاريخية مشحونة بالأحداث، بل إن الشخصية المحورية في المسرحية ( شمش شموكين ) هي بلأساس شخصية ( تراجيدية ) تحمل في أعماقها بذور فنائها ومبررات وجودها، فهو من البداية يحلم وطموحاته أكبر من قدراته، وعندما تعارض القدرة مع الطموح تنفجر عناصر المأساة.

         – ( الحلم كان تاج أيامي

              وصولجانيَ الوحيد

           لم يتوهج في عيوني غير حلم واحدٍ

           أن يستقلَّ عرش بابلٍ،

                             عن البلاد )

ولقد بدا سقوط هذا البطل التراجيدي الراغب بالانفصال عن الدولة الآشورية، بدا سقوطه في النهاية منطقيا، فقد سقط في بحور الدماء التي أسالها بأحلامه الفردية وطغيانه وتجبره، بدا هذا المصير متوقعا وسط الدسائس والمغامرات والأطماع التي لا تقف عند حد.

ويتضح من خلال النص والعرض، إدراك المؤلف معد الجبوري للفروق الشاسعة بين وظيفة المؤرخ ووظيفة الكاتب المسرحي، فهو لا يعيد سرد هذه الوقائع التاريخية القديمة، ولا يعيد طرحها فوق المنصة المسرحية بشكل حيادي، بل يعيد تنسيقها وترتيبها بشكل فني يسمح باختصار بعض التفاصيل غير الضرورية أو بإضافة بغض الشخوص الني تثري المضمون الذي يهدفإلى تأكيده دون أن يشوه التاريخ أو يسيء إليه

والحقبقة أن المخرج شفاء العمري قدم عرضا جيدا يشهد له بحسه الفني المرهف وبتوظيفه السليم للعناصر الفنية للإخراج المسرحي وبسيطرته الواعية عل وسائل التعبير المسرحي، فتتفط بشاعرية النص ولم يفسدها باللجوء للأداء التمثيلي المتشنج الذي يفسد العديد من العروض المسرحية، لقد اتسم الأداء التمثيلي بشل عام بالبساطة فبدا أداء شاعريا خالبا من التكلف والافتعال، ولا يكفي أن يكتب الحوار شعرا حتى يكون شاعريا فوق النصة المسرحية، فقد يفقد الحوار الشعري جماله وشاعريته إذا ما أسيء تقديمه بشل خطابي وانفعالي، وإذا لم يتوافر له المخرج الذي يقدمه من خلال أداء بسيط وحي

يضاف إلى ذلك أن المخرج شفاء العمري احتفظ للعرض بطابعه الجمالي من خلال التكوينات الفنية للحركة الفردية والجماعية

ولم يلجأ شفاء العمري للديكورات المركبة التي تعيق حركة الممثل وتقلل من انطلاقها وإمكاناتها التعبيرية وتأثيراتها الجمالية

لقد كان المخرج موفقا تماما عندما جعل الشاعر الذي هو بمثابة الراوي يخرج من داخل كناب ضخم هو التاريخ لكي يروي للواقفين حوله من المعاصرين الذين يحملون كاميرات التصوير وليروي للجمهور بالتالي تلك الأحداث التاريخية، ومع نهاية العرض يعود الشاعر إلى داخل الكتاب الكبير، يعود إلى أعماق التاريخ بعد أن أبلغ الجمهور برسالته..

وهي إضافة من المخرج ليست مفروضة ولا دخيلة على العرض الذي فاجأ جمهور بغداد بتلك المواهب المتألقة القادمة من محافظة نينوى وفي مقدمتهم ( صبحي صبري ) الذي أدى دور ( لوكال ) برسوخ وتمكن الممثلين أصحاب الخبرة العريقة في مجال التمثيل ، ساعده على ذلك أداؤه المسرحي البسيط والخالي من المبالغة والافتعال.. و ( ريكاردوس يوسف ) الذي جسد بدقة معاناة ( إيلاني ) ورغبته في الخلاص، ساعده على ذلك وجهه المعبر وحضوره المسرحي المتميز، بينما أكد ( طلال الحسيني ) وجوده وسط العرض من خلال أدائه الجيد المرتكز إلى صوت مسرحي قوي ومعبر، ورغم التميز لأداء علي احسان الجراح إلا أن ملامح وجهه الطيب أبعدته عن طبيعة الشخصية التي يؤديها، فأظهر ( شموكين ) كما لو كان ضحية للآخرين من حوله.

لكن الحقيقة الساطعة التي لا يمكن تجاهلها أو إنكارها هي أن هذا العرض القادم من محافظة نينوى يتساوى شامخا مع عروض عديدة نشاهدها فوق منصات العاصمة بغداد، إنه رغم بعض التحفظات عرض جيد كان بحق مفاجأة المهرجان..وهي مفاجأة سارة حقا لكل محبي فن المسرح وعشاقه.

 

***

 

( حُرَق في فضاء الأرق )

كارثية الرؤيا والمعنى

                                                         شاكر مجيد سيفو

 

          ( الأسبوع الأدبي )    العدد 1151 في 23-5-2009

 

يتوّج الشاعر معد الجبوري منجزه الشعري بمجموعته الشعرية الجديدة (حرق في فضاء الأرق)، يشتغل بذكائه الشعري العالي كما في مجموعاته السابقة على تأسيس وخلق الصورة وأشعاعاتها في مختلف الاتجاهات، يقتنص الروح التالفة وسط ركام الآهات والأحزان الجديدة والتي هي افرازات الموت الحديث لقوس التراب واللحم المطبوخ ونجوم الثريا، إنّ كتابة الشعر في روح الشاعر تنبثق من آدمية الشعر وقوته المغناطيسية التي تجذب الكائنات والأشياء في مستوى من الوهم والإيهام والايحاء بالعذاب والألم، الكتابة الحية عند الشاعر تتسّم بالتضاد التحولي فمن صفحة البياض الى صفحات السواد يظلّ الشعر مادة سميّة باتجاه أفواه الغزاة، إن الشعر لدى الشاعر معد الجبوري يمثل نسقاً من توأم الحياة بكل احزانها وآلامها ومسرّاتها المفقودة في ظلّ نظام الحياة اليومية للبلاد التي تتناهبها مخالب كثيرة موجعة، وينتصب الوجع في مجاورته للزمان والمكان وخاصيته المغناطيسية ليتهيكل ركاماً من العذابات تأخذ مديات كونية في أقصى قلعة الكتابة، ويحرص الشاعر على تفعيل المؤثر المعرفي بعناقه لمنظومة آنفعالية تتجاور مع ذاتها والخيال الكوني الذي يخلق الصور التي تتوالد تحت سقف مدار شعري للفعل والانفعال، يتحرّق الشاعر ابتداءاً من عنونة الكتاب، فالحرق هي فضاء الجسد والروح معاً ويمثّل هذا الفضاء جاذبية التخييل  الوجودي والواقعي الذي يثوّرُه المخيال الشخصي. حيث تتراسل هنا منظومة من الاصداء والأصوات عبر قصّ رؤياوي تدخل في تشييده مجموعة من النداءات الباطنية في هيئة مقتربات حسيّة تفكرّية ضاجّه بقيامات الألم وانفاس الكلمة الحرّة، وتتخذ هيأة الكلمة ومدارها التشكيلي سمات متعددة تتجاور في مقاربتها للايقونية السحرية والالتماعية التراثية وتوهجات الحداثة لتقيم منطقة شعرية يمارس فيها الشاعر كتابة الذات الأنا الشاعرة والأنا الكليانية، إنّ الكتابة لدى الشاعر عملية استمرار وديمومة للذات، والشعر بالتحديد (عمل حيوي كالتنفس والغذاء والتناسل والمثال الآخر الذي يسند مثال تودوروف هذا، هو مثال (سوزان لوهامز) التي تُشبّه تجربة قراءة قصة بتجربة مأساوية لدورة عضوية جسدية تستغرق أربعاً وعشرين ساعة)، إذاً هي قراءة الأعماق بكل مستوياتها الأنثروبولوجية والميثيولوجية، تلك الأعماق القلقة التي تمتص من مرجعيات الألم أنساقه الحادة، إنّ الشاعر يملك لغة خاصة، وترجع خصوصية لغة وخاصيتها الى إقامته المتواصلة في بيوت التراث اللغوي وتأثرّه الشديد بشعرية الأسلاف وأنساق لغتها المشعّة، حيث تتوالد الأشياء كأمتداد للزمن خارجه وداخله، ويتخذ الداخل [الداخل الشخصي] للذات بالأشارة الى المعاني الحادة، أما الخارج فهو نتاج ركام الصوري والمشهدي الواقعي والوقائعي، إنّ الشاعر يمسك بجمرة الشعر وتتقد دواخله بنيرانها وجمالها الأولّي بالعودة الى الخطاب الأزلي للكلمة، وحجم الألم والعذاب الذي يتقطر من جسد الكلمة ومن أعماق الذات الشاعرة: (يومٌ عبوسٌ، خلفه يوم عبوسْ../ لم تنفطر روحي من الأحزان بَعْدُ،/ ولم أَقُلْ: أينَ المَفَرْ..؟ ما زلتُ، في فلوات أيامي، أجوسْ../ وأنا الذي لو أنزلوا حُزني، على حجر من الصوّانِ،/ لأنفطرَ الحَجَرْ.. ص5) يتهيكل مشهد الشاعر في تسلسل بنائي معتمداً على التنامي الموضوعي للعنونات والمضامين التي عنتها أفكار القصائد ومحمولاتها الداخلية، والتي تشير في أغلب أنساقها الذهنية والحسية الى مراثي ذاتية ومقاربات ساخرة وهجائية تقتصّ من مشهدية الزمان والمكان للبلاد وأهلها، وحجم الأسئلة الكارثية التي تتجه مباشرة الى الداخل عبر رؤيات تراود الذات الشاعرة مأساة البلاد من زاوية النظر القريبة والحلم التصوفي الذي يهندس مشهد البلاد في نزاعها مع ذاتها والعالم والآخر القادم من بعيد، حيث يشد الشاعر ذاته بعالم الأرض، وتمثل هذه الرؤية رؤيا صرخة تُقوِّل تاريخ الحادثة النصيّة وتاريخ الروح الشخصي وانقراضها وسط ركامٍ من فوضى التاريخ وتاريخ الفوضى ويقظة العدم ويقظات الأنا ونداءاتها الظاهراتية استذكاراً ومقاربة لمعاني الماضي وأهواله وحقائبه وإشراقاتهِ: [أنا الماضي، اسحل خلفي مُدناً، وأساطيرَ،/ أنا الآتي،/ ألوي عنقَ الشمسِ إليَّ،/ وقد لُويَتْ عنقي،/ وألتوَتِ الطرقاتُ،/ وأنتم يا مَنْ تنسفحونَ، ورائي وأمامي،/ وعلى كفيَّ وعينيَّ،/ انتزِعوا مِن شفتيَّ الأقفال/ انتزعوني منيّ/ وعليَّ ـ الساعة ـ / أن أدعكَ هذي الأطلال،/ وأن أتخطّى ما أتخطَّى.. ص10 ـ 11] هل يرى الشاعر نهايته في أن ينتزَع هو منه ما يراه خارج هذه المشهدية المأساوية؟ إنّه يرى الى حيويّة الجسد في ختام المقطع وأصراره على المضي واختراق الحواجز والمجاهل/ في جملته التحدّية وكيف يصير إلى أنه يدعك الأطلال، هل هذه رؤية مشهدية المجهول والمستحيل والأطاحة بالمكان والزمان معاً،؟ كيف يمكن للشاعر أن يفلت من قبضة التاريخ ويمحو سيادته من جهة وينتهك أعرافه؟ إن الذات تقرأ تاريخها وسط هذا الركام من الأسئلة الميتافيزيقية والوجودية والتاريخانية التي تمنحه أصابع أجداده العظام (…. ولم أعد أدري،/ أضاعتْ نينوى، أم ضعتُ..؟) ورغم كل هذا فالشاعر يراهن على قمع الريح والعصف وهو يردّ بعنفوان ذاتهُ الشاعرة وأناه كل هذا السيل والركام من الغضب: [وأنا على الأسوار، ثانيةً أردُّ العصفَ،/ عن بوابّةٍ في الروح،/ عن رُقمي، وزهر الاقحوان../ وأفيضُ،/ ثانية أفيض كنهر دجلةَ،/ افتح الأبواب، أصعدُ كالضحى،/ هذا رهاني:/ تبقى بلادي كلُّها جرساً يرنُّ، يرنُّ في أذنِ الزمانِ.. ص35 ـ 36] تتشابك قصائد الشاعر في رؤية مشهدية عرفانية أيقونية تشكيلية صورية واحدة تشعّ منها المعاني بقوة المخيال الشخصي ومتعة الكتابة ومؤولاتها المعرفية والغنائية، فالشاعر شديد الحرص على إقامة نظام عروضي يمسك متن القصائد مسكاً حادّاً وموسيقياً هارمونياً دينامي النبرة وطاقة النبرية وتشكيلات البحور الشعرية التي تضخ مناخات حادة جداً في النفس والجسد معاً، حيث يتعالى نشيد الأنا بقوة على مساحة القصائد بأكملها، حتى يظهر للعيان مدىَ نرجسية الأنا وقوتها العقلية، وهذا امتياز الشخصي الذي يشتغل عليه الشاعر في مشغله الشعري: ففي قصيدته (لا وجه، دون لحمتي وسداي.. يحلّق الشاعر في فضاءات قريبة من التصوف العرفاني والمتعي التقديسي، بالأشارة الى موضوعة الجسد (حيث الوجه المكوِّن الأساسي المظهري التشكيلي للانسان: [إذا انفرطتُّ،/ او انشطرتُ كفلقتي رمّان؟ يا حريّة النسيّانْ،/ ماذا تنسجين؟،/ أنا النسيجُ،/ انا نسيج الأرض والأعماق،/ والطوفانُ من بعدي، ودوني../ انا المسكون بالغبش العظيم،/ ونطفتي حريّةٌ أخرى،/ سيطلعُ وجهُها/ من ضلعي المرضوض،/ حواء جديدة،/ وَشْمُها مائي وطيني.. ص43 ـ 44) وها هو الشاعر يفتح مغاليق القصيدة، حيث لا ترانيم للجسد ولا غناء فاختة، إنّما عويل وأحزان مغادرة الحمام الى لا تاريخ مشكّلاً عبر تاريخه متوالية من المشهدية التاريخية، حينما لا تخلو القصيدة من قصديةِ واضحة عبر مفرداتها، لا بل من العنونة (قناديل الدم..) ويستعير الشاعر مشهدية التراث في صورة شهرزاد وآشور والرخام والأزميل والرُقيم.. [من بعد ألف خنجرٍ وخنجرِ،/ تسكت شهرزادْ/ قبل الصبح،/ عن كلامها المبُاح،/ والمغول في بغداد يلقون بها، في فوّهة التنور../ وبعد ألف لوحةٍ،/ وألف شمس ورقيم،/ بعد آلاف الأساطير،/ تقومُ أور/ من رُقمِ الطين، وقد تبعثرتْ فوق رماد المملحهْ../ وهذه آشور../ تطلع من تصدع المرمر/ والغيظُ دمٌ يفورْ../ فوق المسلاّتِ/ وفي ثيرانِها المُجنَّحهْ.. ص52].

تُمثّل حالة الشاعر المستلَبة في هذه القصيدة عن محاور التشكيل والمعطيات الداخلية للحظات الكشف والإشراق، وموت الأشياء بإحالتها إلى منظومة أفكار بالكلام الشعري على صعيد الوجود ذاته والوجود الشخصي الذي يتحرك عبر تاريخه العراقي العتيد..

***

مسرحية ( السيف والطبل )

بين شعرية النص ودينامية الإخراج

                                         ماجد الأميري

 ( جريدة القادسية )  7-10-1988 

 

       ( السيف والطبل ) هي المسرحية الرابعة للشاعر معد الجبوري بعد ( آدابا- شموكين- الشرارة ) بالإضافة إلى أربعة دواوين شعرية، وهذا ما يشكل علامة هامة وحالة حيوية نادرة في مجتا المسرح الشعري في العراق.

لقد كُتب عن الشاعر معد الجبوري بأن مسرحياته ( تشكل من غير مبالغة منعطفا هاما في المسرح الشعري العراقي الحديث ) ومن هنا فالنظرة إلى عام ( معد الجبوري ) الشعري ضرورية ومفيدة قبل تناول مسرحيته، فمن خلال هذه النظرة نستطيع أن نتفهم دلالات رموزه وصوره الشعرية بنائه لعمله المسرحي بشكل عام.

لقد حقق الشاعر قدرا رائعا من النضج الفني ( الدرامي ) في قصائده ، وخاصة الأخيرة، حيث أخذ يعبر من خلال الصورة الشعرية المركبة أكثر مما يعبر باللفظة المفردة أو الصورة البسيطة، حتى ازدادت رموزه ثراء والعلاقة بينها تنوعا وتعقيدا، وعرقت نوعا من البناء الدرامي تمثل في اختيار الشخصيات ومعايشتها من الداخل ثم التعبير الشعري عن عالمها المستقل المرتبط بعالم الواقع حتى نجد أن الصراع بات ملمحا رئيسا في عالم الشاعر، وشعره يمتلئ برموز هذا الصراع وصوره، والكلمة صارت تلعب دورا رئيسيا في نمو هذا الصراع.

فقد تمكن الشاعر الدرامي معد الجبوري من خلق توازن وعناق ( هارمونيكي ) للوصول إلى أعلى قدر ممكن بين الدراما والشعر وهذا ما جعله يتخلص في مسرحياته السابقة أيضا( من الاستغراق في المقاطع الشعرية الطويلة وعدم التأكيد على الزخرفة الشكلية والتعبير الجميل الذي يتنافى وحركة الشخوص والبناء الدرامي وإنما وفق بينهما وكذلك عدم الانشغال بحيثيات الدراما والهبوط باللغة الشعرية إلى الركة أو النثر) أقول: إن الشاعر استطاع أن يمزج الشعر بالدراما مزجا رائعا على اعتبار أن كلا من الشعر والدراما وحدتين منفصلتين أساسا.

إن المؤلف يسير على أرضية صلبة، مفادها ( الفكر القومي ذو المدى الإنساني الواسع ) فالمتتبع أو القارئ لمسرحياته يجد هذا الفكر وهذا المدى الإنساني الذي يعالجه معالجة تاريخية مرتبطة جذريا بالعصر ومرتدية رداء الحاضر إذا اعتمدنا النظرة أو القراءة الإسقاطية لها.

  • ·        النص :

السيف والطبل مسرحية شعرية تتكون من ( 15 ) مشهدا تدور أحداثها في القرن السابع قبل الميلاد، بين العيلاميين والامبراطورية الآشورية والتي استطاع مؤلفها أن يستل واقعة من التاريخ القديم ويوظفها توظيفا دراميا شعريا كاشفا ندمن خلالها ( الواقعة ) مدى ما يكنه الفرس من خلال أسلافهم العلاميين من حقد ومكر تجاه أرض ما بين النهرين، ذلك الحقد المتأصل في جذورهم والذي حاولوا من خلاله أن يوقفوا مسيرة أمتنا العربية القوية دون أي محصلة، إلا فشل غرورهم وحمقهم.

أعود فأقول : إن الصراع ملمح رئيسي في عالم الشاعر، فأول ما يطالعنا على المسرح ومنذ المشاهد الأولى هو ( الصراع ) من خات شخص يدعى ( تيومان ) الذي استطاع وبالتآمر مع الكاهن وقائد الجيش والمرافق أن يغتصب عرش عيلام بعد قتل الملك ( أورتاكو ) حالما بالتوسع والهيمنة على بلدان الشرق المجاورة فيما كانت الامبراطورية الآشورية في العراق تشهد نهضة حضارية شاملة في ظل قيادة حكيمة يرأسها الملك ( آشور بانيبال ) الذي كان مشغولا ببناء العراق والتطور العمراني والازدهار الثقافي من خلال إنشاء مكتبة تضم الكنوز الأثرية لبلاد سومر وأكد وبابل وآشور، وتأسيس جيش كبير وصل أعلى مستويات التنظيم والتدريب، وهنا يحاول ( تيومان ) الوقوف بوجه هذه المسيرة من خلال التهديد بالعدوان رغم التحذير بالكف عن نواياه.

وعل حين غفلة يغزو ( تيومان ) جزءا صغيرا من جنوب العراق، لكن الملك الآشوري يقوم بحملة هو على رأسها لإعادة الجزء المغتصب وإسقاط العرش العيلامي.

هذا هو المحور الأساس الذي تقوم عليه المسرحية بالإضافة إلى محورين آخرين هما محور التفكك والسلب الداخلي القادم من أرض عيلام وشعبها ومحور البناء والتطور والتماسك في أرض وشعب ما بين النهرين.

فإذا اعتمدنا النظرة الاسقاطية للنص فكم من ( تيومان ) الآن يحاول أن يدنس أرضنا وعزنا وكرامتنا بالمكر والخديعة دون الشروع لنداء السلام إلاّ بالقوة، وكم من ( عربي الاسم ) حاول طعننا من الخلف ووقف إلى جانب أعداء العروبة والإسلام والتاريخ والحضارة

  • ·        الإخراج والتمثيل:

أعتقد أن مثل هذه النصوص الشعرية والتاريخية بحاجة إلى تأمل وبحث عن عناصر اخراجية جديدة أكثر إثارة وتشويقا وجذبا

لقد تعامل المخرج ( وجدي العاني ) مع النص تعاملا اخراجبا بسيطا حيث جاءت أكثر مفرداته الاخراجية مكرورة مما أفقد العرض الكثير من أبعاده الجمالية، هذا من ناحية أما من

ناحية أخرى، فقد اكتفى بتسطيح الكثير من المشاهد دون الغوص في حيثياتها والكشف عما تحمله من مضامين فكرية، وهذا ما كان واضحا في المشهدين السابع والتاسع

لقد عمد المخرج إلى تقسيم الخشبة إلى ثلاثة مستويات تندرج تحت منظور المشاهد ولحركة الممثلين وكل مستوى له دلالته الفكرية وهذا ما ركز عليه المخرج فجاء منظما ومحسوبا حسابا دقيقا، فالمستوى الأول يمتد من الجمهور بداية الخشبة يمينا حتى منتصف المسرح وهو مكان الآشوريين، والمستوى الثاني من الجمهور بداية الخشبة يسارا وحتى منتصف المسرح كان العيلاميين، أما المستوى الثالث، فهو نقطة المركز منتصف المسرح الذي يجتمع فيه المستويان الآخران وقد وفق في رسم حركة الممثلين وفق هذه المستويات الثلاثة

 

وإذا انتقلنا إلى الأداء التمثيلي، استطعنا أن نقول : إن وجدي العاني كان موفقا بشكل عام في توزيع أدوار هذه المسرحية، حتى أثبت بعض الممثلين فقدرتهم على التواصل بقوة الأداء، مثل: طه سالم وسامي قفطان وحافظ عارف ومجيد حميد الذي لم يخرج من نمطيته المألوفة وريكاردوس يوسف ( آشور بانيبال ) الذي أتقن دوره لولا الخطابية في الإلقاء، أما الفنانة هناء عبد القادر ( توسا ) فقد كان أداؤها مثمرا إلا في المشهد التاسع فلم تتحكم بإيقاع صوتها ومشاعر الشخصية الداخلية.

 

إن أهم ما تخرج به من هذه المسرحية الناضجة هو ضرورة أن تودع رواسب الكوميديا الهستيرية المسطحة الخالية من التعبير الفني والفكري، نودع رواسب كوميديا ( متنكرة ) لنستقبل مرحلة جديدة فيها من النضج ما يجعلنا نحدد العلاقات واضحة على الطريق الفني والجمالي والتقافي، الطريق إلى أنفسنا، والطريق بعد ذلك إلى فكرنا الفني الجديد.

 

***

( أوراق الماء ) – صفحات التكرار

 

                                         د. محمود أبو خضير

 

( جريدة العراق )  الخميس  9 أيار  2002 

 

        تتعدد حضورية دلالة التكرار في نصوص ( أوراق الماء ) للشاعر ( معد الجبوري ) بين معطيات وأدوار بنائية / فنية / اتصالية.. تتسع بها مساحة النص الشعرية وأنساق مرسلاته الصوتية / الإيقاعية والصورية.

وفي نصوص ( أوراق الماء ) تتضح دلالات التكرار الصوتية / البصرية في محمولات الجملة / المقطع / الحرف / والصورة، بنسق مزجي لإنتاج المعنى وفتح موجات اتصالية متبارية في تواصلها مع المتلقي.

عند دلالة العنوان الرئيسي ( أوراق الماء ) ترفع الدلالة اللفظية ( أوراق ) مرجعا إدراكيا / بصريا مغيبا بتعددية الأوراق وتكراريتها وبما حملته عنوانات بعض النصوص من تكرار لدلالة ( الورقة ) .. ( ورقة الشاعر، ورقة الأمير، ورقة مقديشو، ورقة الزمان، ورقة البرق، ورقة الفارس، ورق السيل، ورقة أخبرة ) جاءت تلك الأوراق بشكل تتابعي تكراري ( تقليب .. تصحيف ) مرسلةً دلالات التلازم والإلصاق.

وباستثناء ( ورقة أخيرة ) الخاتمة لنصوص المجموعة، تتوالى ( الأوراق ) في رسمها صورة الإيقاع المتسارع الذي يبدأ أكثر بطأً بدخول نصوص خارجية من دون دلالة لفظية مثل ( الورقة ) وبذلك كان الشاعر قد كبس نصوصه في ملف تكراري متنوع في سبله وعدته البنائية / الاتصالية وانسلال نصوص أخرى مدعاة لصياغة مسالك إيقاعية تتكسر بها أفقية النص وقوائمه المندفعة إلى الأمام، مسكنة / مؤجلة استقراريته عند حواف النهاية السردية، كما أن بداية نصوص مسبوقة بعبارة ( عبر – نصية ) الإهداء إلى أمي مرة أخرى تتطلع إلى تكرار محذوف ( مسكوت عنه ) وهو نص ( محاذي ) للنص الشعري يلحق في النهاية إلى البنية الإطارية / التكرارية لنصوص مجتمعة.

نص المبتدأ ( ورقة الشاعر ) تحضر دلالة تكرارية لجملة ( من آخر برج / وعلى آخر برج ) ص8 .. ويستزرع الشاعر هذه اللازمة على بداية / وسط / ونهاية النص، لشحن مفاصله بدفق الإيقاع والارتداد. ونجد ذلك ( مكرورا ) في بعض النصوص اللاحقة

ويبدأ الشاعر ( الجبوري ) بنص ( محنة السندباد ) بإنشاء ما يمكن تسميته بـ ( التكرار المتناص ) في بعض نصوص مجموعته هذه. وفي النص هذا يقدم السارد على رحلة نظيرة لرحلة / رحلات السندباد تبدأ وتنتهي في حدود الوطن ويحتشد النص بدلالات  موروثة من حكايات الليالي العربية ينتظم التكرار فيها على لازمة حركية / صورية.

( موجة / موجة ) بتكرارها ثلاث مرات منتشرة على خارطة النص مفرزة أنساق الصورة الشعرية وحركيتها من البداية حتى النهاية كما يروي السندباد المقنع ( الشاعر ) بصيغة الضمير (أنا) متاعب رحلته الوعرة ( عركتنيَ عرك الرحى / وبرتنيَ بريَ السهام ) ص42. إن وفرة حرف ( العين / الراء / الياء ) رسم صورة الرحلة ومشاقها بصوتيتها الطويلة / القصيرة

ويتكرر ( التكرار المتناص ) في نص ( هامش على معلقة عمرو بن كلثوم ) باستحضار دلالات حياتية من عصورؤ العرب الأولى ويؤشر المتلقي مدعوة من معاجم البصر والسمع في عصر الشاعر الجاهلي ( هبي بصحنك / واصبحي هذا الحطام ) ص45 . وتتكرر جملة ( هبي بصحنك ) ثلاث مرات مستبدلة صورة الماضي بالحاضر. إن ولادة شاعر في عصر التقانة والاتصال الكوني ( لن تخر له الجبابر / وهو طفل بعد ما بلغ الفطام ) ص46 .

وتتحول دلالة التكرار في نص ( رهان ) دلالة سردية / بنائية تماشي السارد وتقلباته السايكولوجبة وعندها يتحول فعل الدق على الحائط إل فعل مضاد / معاكس تحتمه ذاتية السارد ( أدق على الحائط مسمارا.. دق الليل مسامير بصدري.. صدى المسمار على الحائط ) ص 48 .

للإوزات السبع في نص ( أدغال الليل ) أقنعة سايكولوجية في قربها واختفائها في ساعات الليل وتساير دلالاتيا جسد النص بأنساق الحلم بعودتها لأربع مرات ( سبع إوزّات تخفق في العتمة). ( سبع إوزات تدنو ) ص 51 . ( سبع إوزّات تنأى / سبع إوزات مثل الملح تذوب ) ص 52 .

في نص ( طائر الغابات ) تتقارب المكرورات الصوتية / الحروفية مقرونة بثنائيات اسمية / فعلية ( فضاء / فاض / هل هلال / اتسعت / واتسع / تهيم / فهام / خالد ) وتتراكم صوتيات حرف ( السين ) في مقطع فاتسعت أقواس المرمر واتسع الوقت ) ص 53 .

ويرسل نص ( عواصف المقيم ) مبثوثات معنية بفعل الإختراق، فهو ( المقيم ) راكز على ما يحيطه وعواصف وبغم أن الآخرين رحلوا ( شدوا الحال / وما شددت / وكنت وحدي في المهب / يكبو جواد بي وينهض بي جواد ) ص57 وتتكرر دلالة الريح العاصفة بالمقيم دلالة الإلحاح والقهر ( سأقول للريح اعصفي يا ريح ) ص 58 . كما تتكرر حركة ( الآخر ) بثبات المقيم ( فلينحدر من شاء من واد لواد / الأرض كل الأرض ضيقة بلا وطن ) ص 58 .

 أما نص ( قميص يوسف ) فإنه مرفوع بتكرار متناص ) ومدونة الواقعة الدينية وبتكرار وإعادة سرد لها برؤية فنية / فكرية لها انعكاساتها ومقولات الحدث الانثرولوجي

وذلك ما سعى إليه معد الجبوري في نصوصه الدرامية ( آدابا / شموكين / الشرارة ) وعند بوابات نصه هذا يتساءل السارد في جملة ( من قال ) طارحا دلالات المدونة الدينية / التاريخية ( من قال يوسف لم يزل في الجب / لم يسمع به أحدٌ / ولم يره أحد / من قال .. ) ص 61 .  وتتجمع منظومة إحالية / تكرارية ( سبع عجاف / غطاه الزبَد / حبال من مسد / هاكم قميصي ) كما تتكرر ( لا أحد ) خاتمة لتداعيات النص المقنع ص 63 .

وتتناص دلالات نص ( رقيم من سيجيء ) مع نصوص الماثيولوجية في ترادف التسليم الفكري لحاملي الرسالة، وينتهي النص بدلالة تكرار مضمرة بالعودة

كما يعود الشاعر إلى ومضات سيرته من حياة الشاعر امرئ القيس في نص ( أحلام الملك الضلّيل ) والتكرار يأتي عنده بصيغة التساؤل ( من قال ) محملا إياه ثيمات حياة الشاعر المعاصر… ويتصاعد النص الأخير ( ورقة أخيرة ) ببنية زمنية وثيمة الانتظار لـ ( طرس ) آخر جديد فهناك على الدوام طرس منتظر لكونه ( ورقة ) مضافة إلى سِفر الوجود الإنساني المتبدد ( كلما أينع طرس ) ( هزَّ ما يركد في الأعماق ) ص 73. ( فانتظر لا بد من طرس جديد / ريثما تشتعل الأعماق… ) ص 74 .

 

***

 

 

شعرية المكان.. والمكان الشعري

 

 

                                                                               حمد محمود الدوخي

                        ( جريدة الصباح ) – العدد 757  شباط 2006

          من الثابت في الأداء الأدبي والشعري منه بوجهٍ خاص أنه يعمل على زعزعة فيزياء المكان واعادة ترتيبه وفق القانون الشعري الذي ينص على أن لكل شيء ما لا نهاية من الأشكال .

وفي قصيدة ( حوار غير عادي، في وقت متأخر )* للشاعر معد الجبوري تسخير فاعل لمعطيات المكان في الخط الدلالي للقصيدة .  ذلك لأن عنصر المكان اشتغل في ضوء ثنائية المكان (الخارج_ الداخل) فضلا عن استثماره عتباتٍ نصية ً كـتأشير الجملة الاعتراضية والتقويس والتنقيط بوصف ذلك مكاناً نصياً.
 وربما تكون هناك قراءة عابرة لا تسجل للعنوان (حوار غير عادي ، في وقت متأخر) صلة بالبنية المكانية في نسيج النص، ولكن المتأمل يؤشر علامتين لابد منهما حول صلة العنوان بتشييد المكان داخل النص :

الأولى: حول ما تحيل اليه مفردة (الحوار) من دلالة مكانية وذلك لصلة(الحوار) بالمكان بعدّه تقنية وافدة من المسرح .
 والثانية: في ما يثيره الجزء الثاني من العنوان(في وقت متأخر) باتصاله مع المقطع الأول من القصيدة، حيث ان هذا المقطع ينطوي على متن زمني يقود ويدل على هوية المكان ، أي كالآتي :
 في وقت متأخرـ في الخارج
    يجتاز قطار الليل محطات لا أسماء لها
في وقت متأخرـ في الداخل
        يخلي النوم ممرات العرباتْ
وهنا منذ البداية يسخر الشاعر كاميرا شعرية تدور على المكان عن طريق هذين الحاملين (الداخل – الخارج) حيث وجّها تحرّكَ الكاميرا توجيهاً واضحاً في هذا المقطع.
أما في المقطع الثاني فان الكاميرا تقوم بتصوير المكان داخلياً وخارجياً بلقطة واحدة وذلك باستخدام عدسة الكاميرا لتصوير الداخل وتصوير الخارج باستخدام النافذة – بوصفها مكاناً محايداً ينفتح : على الداخل من الخارج وعلى الخارج من الداخل – وذلك بقوله:
 قرب النافذة المفتوحة
        رجل آخر يوقف أغنية كان يرددها
 بعد ذلك تاتي عتبة نصية تتمظهر في الجملة الاعتراضية الكبيرة التي استغرقت تسعة أسطر شعرية  من ضمنها السطر التاسع سطر التنقيط ، وتضمنت هذه الاسطر مجريات المرحلة الاولى من الحوار وقد ساندت هذه العتبة عتبة أخرى هي عتبة التقويس
 معذرة!
        لكن بلاد العرب، الآن تذكرت ،بعيدة
 هل يعني: أن الصمت ثقيل !
               وعلينا أن نتحدث !
 في شيء ما؟
             ان بلادي أقرب مما تتصور!
  كيف؟!
            لأني أحملها في القلب!
تعود الأغنية الآن !
              لماذا أتوقع!
أن يوقفها ثانية !
               ويفاجئني..؟
 يأخذ هذا (التعتيب) أهميته من كونه نحت لنفسه هوية خاصة داخل النص اذ من الممكن أن نعدّه مكاناً شعرياً داخلياً ، اذا ما اعتبرنا أن الفضاء الورقي للنص هو مكان خارجي ، كذلك من كونه موجهاً قرائياً يمنح القصيدة تشكيلاً هندسياً عن طريق استخدام الألفاظ البصرية (الشَرْطة – / الفارزة ، / الاستفهام؟ / التنقيط…. الخ. ) مما يجعل القراءة تلتزم تتبع مسار هذا التشكيل، وفي المقطع الثالث ينفتح الشاعر على المكان الخارجي الذي صوَّره  في المقطع الثاني ، اذ يقول في مقطعه الثالث:
  للأشياء  وراء النافذة المفتوحة!
                 أشكال الريش المتطاير!
   تحت شعاع أسود!
بعد ذلك يمهد الشاعر للعودة من المكان – الخارج الى المكان – الداخل ، وذلك عن طريق ثلاث حركات تراجعية :
  الأولى تمثلت بعودة صوت الشاعر الى الداخل، الى الذاكرة وقد أكد على خصوصية هذه العودة التقويسُ

 في ذاكرتي  تتلألأ أشكال غامضة
 ثم تغيم  وتمثلت الثانية بمغادرة الرجل الأغنية المكانَ الداخلي
         يغادرني الرجلُ – الأغنية ُ
أما الثالثة فتتمثل بغلق المشهد على الداخل اذ تؤشر ذلك عتبة التقويس والجملة الشعرية من بعدها في
 قوله :
النوم – اذن – سلطان
    في الداخل
  الأصواتْ
 ولكن يُـقتحم المشهد مرة اخرى من قبل شخصية خارجية فيعيد الشاعر بناء المشهد الرابع بالتقنية نفسها التي بنى بها المشهد الثاني وهي اقتحام المشهد بجملة اعتراضية تساندها عتبة التقويس لتشييد مكان داخلي آخر على هذا النحو:
رجل آخر :
 أين ؟
سؤال يتكرر
فكـّـر كيف تجيب
 أنا..!
 لنقل للمدن الأخرى
ولماذا ؟
 …………..
أأقول : لماذا الطير تهاجر
                   والنهر يفيض؟
يغادرني
                يفتح نافذة أخرى
وهنا واضح أن الجملة الشعرية هي (رجل آخر يغادرني، يفتح نافذة أخرى) وما اعتراها من حوار غير عادي  كان جملة اعتراضية أي المكان الـ(الداخل نصي) وهذا ما اعطى الجملة الشعرية تلويناً شعرياً سحبها من فضاء القول العادي الذي كانت تكون فيه لو انها عرضت بهذا الشكل (رجل آخر يغادرني ، يفتح نافذة اخرى) ودفع بها الى فضاءات القول الشعري
 التي انفتحت امامها نتيجة لهذا الاستخدام الشعري لعنصر المكان بكل اشكاله (الداخلي – الخارجي / والنصي).
 وفي المشهد الخامس والأخير يعود الشاعر لتصوير الداخل – لأنه خرج بالتصوير في المقطع السابق عندما قال (يفتح نافذة أخرى) – تصويراً شاملاً ويترك بعد ذلك القصيدة مفتوحة على أمكنة فرعية بتساؤل يوفر للقصيدة نشاطاً شعرياً مع كل قراءة تتهيأ للقصيدة :
 فكرت الان
           الغرفة فارغة ٌ
هل ينعس هذا الشيء!
            المستيقظ في صدري؟
في الغرف الأخرى،

تنعس حتى أجساد الفتيات الهيبياتْ!

ـــــــــــــــــــــــــــ

* للصورة لون آخر –  معد الجبوري –  وزارة الثقافة والإعلام   1973

***

 

 

من(  بنية الإيقاع في شعر معد الجبوري )                         

                                 قاسم محمود محمد الجريسي

 

خاتمة رسالة عن الشاعر حصل مقدمها على الماجستير

من جامعة الموصل – كلية التربية عام 2007

 

الخاتمة

    –     كشفت الدراسة عن المحاولات الجادة للشاعر بغية تطويع اللغة وتسخيرها في بنية إيقاعية تنسجم مع طبيعة التجربة المراد نقلها بصورة شعرية شكلت بصمة خاصة ضمن خارطة الشعر العراقي. وجعلته ذا اتجاه خاص.

    –     أفصحت الدراسة في فصلها الأول (الإيقاع العروضي) عن تمكن الشاعر من اداته وامتلاكه القدرة على استخدام الاوزان المفردة والثنائية ، ونظام التنوع، والتناوب، والتدوير، والقصيدة العمودية، ومن ثم أتحف نتاجه بتلون إيقاعي يلتحم ويتفاعل مع بؤرة المعنى  يجسدها ويعمقها.

    –     توصلت الدراسة من تحليل القصائد إلى شيوع الزحاف والعلة في الأوزان المستخدمة عامة، مما أضفى على الإيقاع الوزني نوعا من التغيير إرتبط بدلالة المضمون. إن هذا الشيوع يترجم حالة انفعال مستمرة لدى الشاعر قد يكون سببها الوضع السيء للبلاد ، والاضطراب الأمني والسياسي فيها.

    –     ارتبط تنوع الأوزان في القصيدة الواحدة بتلون الشخصية تبعا للحوار الدرامي فيها، فكان لكل شخصية إيقاع خاص مرتبط بنوع الوزن.

    –     سعى الشاعر نحو مشروع حداثي يعتمد بناؤه على قصيدة التفعيلة، معتقدا أن هذا اللون يحقق له غايته بعيدا عن القصيدة التقليدية، وقد أشار إلى ذلك بنفسه.

    –     اعتمد على الجملة الشعرية بوصفها وحدة بنائية تقترب من البيت الشعري فأضفى ذلك على إيقاع شعره سمة بنائية جمعت بين القديم والحديث، فكانت وحدة الجملة بديلا لوحدة البيت.

    –     امتاز بفخامة الدفقة الشعورية ، فلجأ إلى التدوير الجملي، والمقطعي كي يبثّ مشاعره على وفق قالب إيقاعي يتلاءم مع حالته النفسية ومكنونه العاطفي ، لذا نجد تضاؤلاً نسبيا في السطر الشعري بوصفه وحدة بناء مكتفية بذاتها.

    –     اهتم كثيرا بالقافية وحافظ عليها بعيدا عن قواعدها القديمة فلم يكثر من الروي الواحد، بل تنقّل من صوت إلى آخر ومن سكون إلى حركة وجمع بين أنماط متعددة في قصيدة واحدة ، فهو دائم التلوين من اجل إثراء البنية الإيقاعية بأنغام موسيقية متعددة.

    –     شكل التكرار سمة أسلوبية بارزة في شعره فكان  ملمحاَ إيقاعيا متعدد الأشكال عمل على تكثيف التماثل الصوتي في النص ، وربما كان لتكرار العنوان صفة خاصة امتاز بها الشاعر الجبوري.

    –     جسّد التوازي بنية إيقاعية عملت على ربط أجزاء القصيدة فيما بينها عبر وسائل متعددة ارتبطت بالمستوى الدلالي مما أسهم بتكوين الوحدة العضوية للقصيدة.

    –     شكل سَفَر الشاعر منحى بارزا في شعره انعكس على نتاجه الشعري، حيث ظهرت مفردات جديدة في شعره لها إيقاعها الخاص مثل (الغابة، البحر، بودابست، امرأة، فاطمة السوداء،…الخ) . فضلا عن إفادته من المفردات المكانية والتراثية للأرض التي زارها.

    –     أظهر تحليل النصوص احتفاء الشاعر كثيرا بالتناص ، ونستطيع القول بأنه وفق حينما أفاد من التراث ، وبخاصة جانبه الديني، فهو يوظف العديد من آيات القران في شعره بصورة تنهل من معطياته وتثري نصه الشعري ، ويظهر ذلك في مواضع كثيرة مما يمنح النص انسيابية وقوة (والحب وما اعطى ، والسيف وما سوى، إن خيولي ناراً تسعى فضلا عن النصوص الواردة في الدراسة.

    –     عنايته بالتراث جعلت لغة الحماسة طاغية على شعره ، وظهر إيقاعها متجسدا بالألفاظ والتشكيلات اللغوية الموحية بذلك ( الجموح، الجنوح، السيف، اقتحام الغمرات، مثار النقع، فارسها الصعب، خواص لظاها، الصليل، الصهيل…الخ ).

    –     يكثف أصوات بعينها في حشو السطور الشعرية، فهو يعبر عن دلالة المعنى بنغمة الصوت وإيقاع التركيب (عركتني عرك الرحى/ برتني بري السهام ).

    –     إن الإبداع المسرحي يبدو واضح التأثير على نتاجه الشعري فنجد الطابع الحواري وإيقاع السرد يتغلغل في جسد القصيدة وجوهر حركتها الداخلية بعمق، والحوار عنده لا يستند على مبدأ حوار الشخصيات وإنما يقوم على حركة داخلية تتوغل نحو جوهر حركة القصيدة عبر بناء فني يستفيد من القدرة على التصوير وبث الحياة بأسلوب شعري، قد يعتمد على التشخيص.

    –     امتازت نصوصه بلغة شعرية سلسة رشيقة تحمل أبعادا ومفاهيما إنسانية تحاول أن تستنطق الأشياء وتستنبض بواطنها.

***

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: